Wednesday, January 11, 2006

تاريخ العرب الحديث


تاريخ العالم العربي الحديث
د.إسماعيل نوري الربيعي









الفهرست؛
الفصل الأول – المدخل التاريخي والجغرافي
الفصل الثاني-العرب والعثمانيون
الفصل الثالث-الحركات الانفصالية في العالم العربي
الفصل الرابع-دعوات الإصلاح الديني في العالم العربي
الفصل الخامس-الدولة العثمانية من الإصلاح إلى التنظيمات
الفصل السادس-التنافس الاستعماري على العالم العربي



المقدمة
يحيل موضوع تاريخ العالم العربي الحديث، إلى مدى العلاقة الوثيقة التي ربطت بين الأقاليم العربية المختلفة والدولة العثمانية، تلك العلاقة التي بدأت منذ بواكير القرن السادس عشر ، والتي تم تدشينها خلال عهد السلطان سليم الأول 1512- 1520، وعلى امتداد القرون الأربعة التي شكلت الربط المباشر والذي تنوع مابين المركزية واللامركزية، ومدى الوشيجة الدينية التي مثلها الإسلام، في تعزيز عرى العلاقة، إن كان على مستوى المجتمع ، الذي وجد في هذه القوة امتدادا لحالة الأوج والازدهار الذي أفرزه عصر الدولة العربية الإسلامية، أو على مستوى العلاقة السياسية ، والتي تمثلت في حالة الاحتفاء الذي كان يطغى على الدولة المملوكية، والتي شمل نفوذها الشام ومصر، حين تصل أخبار الانتصارات التي كانت تتحقق لصالح الدولة العثمانية ، باعتبار أن سلسلة الانتصارات التي كانت تتم ماهي إلا نصر للإسلام وللمسلمين .
ما بين التطلع العثماني نحو الشرق، والبحث عن الزعامة الدينية للعالم الإسلامي، تكون الدولة العثمانية وقد بلغت أقصى توسعاتها، إن كان على صعيد وراثة النفوذ الذي كان للدولة المملوكية ، أو حالة التفاعل التي برزت في إقليم المغرب العربي والذي تبدى في تعزيز حالة الجهاد البحري، الذي خاضه عرب الشمال الأفريقي بازاء التهديدات الإسبانية في البحر المتوسط.
حاول الفصل الأول الوقوف على التفصيلات المتعلقة بجغرافية العالم العربي، وقراءة المقومات الإستراتيجية للموقع مع البحث في الأصل والجذور للعنصر العربي مع التطلع نحو دراسة الأحوال والأوضاع السياسية قبل السيطرة العثمانية.فيما توجه الفصل الثاني نحو تفحص العلاقة التي ربطت بين العرب والعثمانيين، من خلال رصد توجهات العثمانيين نحو المشرق وبداية الفتوحات العسكرية التي شملت الشام ومصر والحجاز واليمن والعراق.ومستوى العلاقة التي طبعت النفوذ العثماني بالخليج العربي والمغرب .
الفصل الثالث توجه نحو البحث في طبيعة العلاقة السياسية بين العرب والعثمانيين، لا سيما على الصعيد السياسي، حيث بروز التوجهات الانفصالية من لدن العديد من الكيانات السياسية التي ظهرت في الشام ولبنان وفلسطين ومصر والعراق وتونس وليبيا، ولتوجهات التي بقيت تدور في فلك الارتباط الاسمي بالسلطنة ، حيث البحث عن الشرعية التي حظيت بها السلطنة باعتبارها الزعيم للعالم الإسلامي، وطبيعة التهديدات والنفوذ الواسع الذي راح يتبدى وبشكل فاضح، من لدن القوى الأوربية ، تلك التي تزامنت تهديداتها للمشرق العربي، منذ سقوط الأندلس عام 1492، وتوجه البرتغاليين نحو الشرق وفرض نفوذهم في مناطق الجنوب العربي.
الفصل الرابع حاول البحث في التفاعل العربي مع مسألة التجديد الديني، بعد أن برزت المزيد من حالات التداخل في التفسيرات والممارسات، التي كانت وليدة لحالة الانعزال التي عانت منها الأقاليم العربية ، حتى برزت الدعوات الداعية إلى أهمية العودة إلى الإسلام النقي البعيد عن المدخلات والمقحمات، فيما سعى الفصل الخامس نحو قراءة الأوضاع الداخلية للسلطنة ، والتي راحت تحاول الخلاص من حالات التداعي والوهن التي نال منها، حتى كانت حركة الاصلاح والتنظيمات، والتي لم ينجم عنها سوى المزيد من التراكم للأخطاء، لا سيما بعد أن تمكنت القوى الأجنبية من تركيز نفوذها وحضورها في صلب مكونات الدولة العثمانية ، إن كان على صعيد الامتيازات الأجنبية ، أو من خلال التدخل في ترسيم التوجهات نحو التنظيمات ووضع القوانين وفقا للنموذج الأوربي.لتبرز الأزمة على الصعيد الداخلي حيث الصدام الذي راح يتوسع بين دعاة التحديث وأعداءه، والرفض الذي راح يتصاعد من قبل الرعايا في الأقاليم ، حيث وجدوا فيه خروجا عن تعاليم الدين الإسلامي.
الفصل السادس سعى نحو التمعن في طبيعة التنافس الذي برز بين القوى الأوربية ،للسيطرة والهيمنة على العالم العربي، في أعقاب ما تعرضت له السلطنة من وهن وضعف، حتى كانت الحملات العسكرية المباشرة ، والتي راحت تتسابق فيما بينها من أجل فرض الهيمنة السطوة ، وتبلغ المفارقة أقصاها، حين يحاول الغازي الحصول على إذن وموافقة الدولة العثمانية ، بعد احتلالها لإقليم من أقاليمها . فبعد الغزو الفرنسي النابوليوني لمصر عام 1798، أرادت فرنسا الحصول على الموافقة العثمانية تحت دعوى أن الغزو هذا إنما يتوجه نحو قطع الطريق على البريطانيين.






الفصل الأول
المدخل التاريخي والجغرافي
يحيل مصطلح العالم العربي إلى حالة التنوع والسعة اللافتة للمجال الأرضي الذي ينتشر فيه العنصر العربي، حيث الاستناد إلى الثقافة الواحدة التي تميز المجموعة السكانية التي تقطن هذه البلاد ، والتي يمكن تحديدها من المحيط شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا.ولا يتوقف الأمر على السعة والتي يقدرها الجغرافيون بستة آلاف كيلو مترا من الشرق إلى الغرب، وأربعة آلاف كيلو مترا من أقصى نقطة في الشمال حيث حدود العراق، وحتى أقصى نقطة في الجنوب حيث حدود السودان.بل يحتل الموقع أهمية استراتيجية في الحساب السياسي لهذا العالم ، حيث يمتد في الجنوب الشرقي من الجزء الآسيوي، والجزء الشمالي من أفريقيا ، وبهذا فإنه يحتل المركز والقلب من موقع العالم القديم.
لعب الموقع الجغرافي للعالم العربي دورا بالغا، في لفت أنظار مختلف القوى إليه ، حتى صار قبلة أنظار الحضارات المختلفة وعبر التاريخ البشري، ومن هذا حرصت الإمبراطوريات القديمة والحديثة نحو السيطرة على هذه الأرض ذات الأهمية الإستراتيجية البالغة.ومن هذا الموقع الذي استقبل العديد من الحضارات ، يبرز مجال التفاعل والتلاقح الثقافي الذي ميز المنطقة ، حتى برزت للعيان روح التسامح، والتي عززتها حالة النشأة للعقائد والأديان السماوية التي انبثقت من هذه الأرض، والتي كان لها فضل الانتشار في مختلف الأصقاع من العالم.
هذا بالإضافة إلى الدور الفاعل الذي أداه الموقع المهم ، في وصل العالم من حيث الاستناد إلى تفعيل مجال حركة المواصلات البرية والبحرية، بين الشرق والغرب.حتى قيض للعرب من لعب دور الوسيط التجاري، ومكنهم من لعب دور فاعل وراسخ في هذا المجال، حتى كان لاكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح في أواخر القرن الخامس عشر من قبل البرتغاليين ، أثره في تراجع دور العرب التجاري، إلا أن هذه الأوضاع سرعان ما تغيرت عندما تم افتتاح قناة السويس عام 1869 م، والتي كان لها الدور البارز في اختصار الطريق الواصل بين الشرق والغرب وعودة الأهمية الإستراتيجية للبلاد العربية لا سيما على صعيد بروز دور المضائق الرئيسة والشهيرة التي استعادت أهميتها مرة أخرى ، بعد أن تم وصل طرفي العالم بطريق مختصر، يتم من خلاله تقليل النفقات والوقت والجهود.إن النظرة المباشرة للأوضاع المناخية التي تميز العالم العربي ، تجعل منه طريقا آمنا حيث الاستقرار المناخي الخالي من العواصف والأنواء الجوية المفاجئة والتي تشكل خطرا على حركة المواصلات البرية والبحرية والجوية ، هذا بالإضافة إلى السيطرة العامة والشاملة على مضائق؛ جبل طارق وباب المندب وهرمز.
البعد الإستراتيجي
التنوع الطبوغرافي للعالم العربي، منحه الكثير من المزايا الإستراتيجية ، لا سيما على الصعيد الدفاعي، حيث الجبال المنتشرة على السواحل في الشمال الأفريقي حيث جبال الأطلس الساحلي، أو جبال سوريا ولبنان والسعودية واليمن وفي سلطنة عمان ، هذا بالإضافة إلى الصحارى الواسعة مثل الصحراء الكبرى والتي تعد حدا جغرافيا بارزا بين أفريقيا شمال أو جنوب الصحراء.فيما تنتشر الصحارى في الربع الخالي والنفوذ والدهناء والتي تكون بمثابة تحصينات دفاعية طبيعية.
وعلى الرغم من الدفاعات الطبيعية التي تحصل عليها العالم العربي ، إلا أن الاستعمار الحديث قيض له أن يوظف الفرق النوعي في مجال القوة العسكرية ، حيث التطور الذي برز على صعيد تحديث الماكنة الحربية والتي جاءت ثمرة للتطور العلمي والتقاني في الغرب، ليتم من خلاله نشر النفوذ الغربي، على المجمل من مناطق العالم ، وكان العالم العربي، المطمع الرئيس لهذا الغرب الذي حرص على حشد جهوده للسيطرة على الأرض والموقع الذي يتوسط قلب العالم ، ومن هذا لم تدخر القوى الكبرى وسعها في سبيل التنافس الحاد فيما بينها، حيث أقدمت فرنسا للسيطرة على المغرب العربي واجزاء من سوريا ولبنان ، فيما توجهت الجهود نحو محاولة إقناع الخديوي سعيد من أجل الحصول على امتياز شق وحفر قناة السويس، من خلال الدور الذي قام به المهندس الفرنسي دي لي سيبس، لكن الجانب البريطاني كان يراقب المشهد بدقة ملفتة ، خصوصا وأن الأمر يتعلق بالمصالح العليا لبريطانيا، والتي كان لها اليد الطولى للسيطرة على بحار العالم في تلك الحقبة، فكان أن تمكنت من الحصول على النصيب الأكبر من حصص الشركة المساهمة صاحبة الامتياز،حيث الأهمية القصوى التي تحتلها قناة السويس في الإستراتيجبا البريطانية حول طريق العبور والتواصل مع الهند، والتي تمثل درة التاج البريطاني في تلك الحقبة.ولم يقف الأمر عند قناة السويس فقط بل كان التطلع البريطاني نحو السيطرة على المضائق، والتي عدت وسيلة لفرض النفوذ على القوى الاستعمارية الأخرى التي كانت تحاول فرض سيطرتها على أجزاء من العالم ومحاولة اقتسام الغنيمة والسيطرة.
لم تقتصر أطماع القوى الأوربية على الجانبين البريطاني والفرنسي في العالم العربي، بل برزت طموحات واسعة من قبل العديد من القوى الأخرى ، حتى كانت روسيا القيصرية التي حاولت التسلل نحو العالم العربي والوصول إلى المياه الدافئة من خلال التسلل عبر المنفذ الإيراني، لكن هذا التسلل سرعان ما تمت مواجهته بالتحذيرات البريطانية ، والتي سمحت لروسيا من الحصول على بعض الامتيازات في إيران وبسط نفوذها على بحر قزوين ، مقابل تنازلها عن طموحاتها للوصول إلى مياه الخليج العربي.ولم يغب عن المشهد بروز الطموحات الألمانية ، والتي حرصت على تعزيز علاقاتها السياسية والإستراتيجية مع الدولة العثمانية من خلال عقد اتفاق عام 1897، والذي تضمن قيام الجانب الألماني بتنفيذ مشروع سكة حديد بغداد – برلين، هذا الخط الحديدي الذي كان يهدف نحو ربط العراق بالعاصمة العثمانية والتواصل نحو الأراضي الألمانية، إلا أن تقاطع هذا المشروع مع المصالح البريطانية أدى إلى إحباطه وتوقفه، خصوصا وأن تفاقم الأوضاع السياسية قد أدى إلى قيام الحرب العالمية الأولى، وما نجم عنها من نتائج كان لها الأثر الأبرز على تفكيك بنية الإمبراطورية العثمانية، والتي تم توزيع مناطق نفوذها السابق ، بين الحليفين الأبرز ؛ البريطاني والفرنسي.ولتي تبلور الصراع بينهما حول مسألتين أساسيتين تمثلتا في ؛ الصراع على طريق السويس بوصفه الطريق الإستراتيجي الذي يعني السيطرة على العالم، والتنافس الدولي على امتيازات النفط، حيث القيمة المتعاظمة لهذه المادة بوصفها العصب الحيوي والرئيس لطاقة التشغيل لمجمل وسائل الحياة الصناعية التي تقوم عليها الحضارة الغربية.العرب؛
الأصل والجذور
يعود أصل العرب إلى الجنس السامي، والذي يتم ارتباطه مكانيا بشبه الجزيرة العربية ، بحسب ما تقره أبرز النظريات المهتمة بالأعراق والأجناس البشرية ، إلا أن فكرة الحديث عن العرق تبقى خاضعة للنظرة النسبية، لا سيما وأن نقاء الأعراق وصفائها تبقى مسألة خاضعة للمزيد من النقاش والتمحيص والدرس. وسكان العالم العربي الذي يعيشون ضمن المحيط المكاني الممتد من الخليج إلى المحيط، يرتبطون بالمزيد من العوامل التي تجعل منهم في وحدة ثقافية شديدة البروز ، لا سيما على صعيد اللغة الواحدة والتاريخ المشترك، هذه العوامل التي لم يكن لها أن تكون نقاط فصل واثقال على طبيعة العلاقة مع الآخر، بل أن الموقع المتوسط كان له الإسهام البالغ والمميز في انفتاح هذا الحيز الثقافي على ثقافة الشعوب والمجتمعات الأخرى، والتي قيض لها الانصهار والتفاعل الحي غير المشروط مع مختلف الأعراق والأجناس ، حتى كان الاستيعاب المثمر للثقافات المجاورة من فارسية وتركية وكردية وأرمنية وأمازيغية، والتي قيض لها أن تنصهر ضمن المعطى الثقافي الواحد للثقافة العربية، والتي تمكن فيها ذوو الأصول العرقية الأخرى من إنجاز مشاريعهم العلمية الثقافية، في إطار الدولة العربية الإسلامية بتسامح شديد الحضور.
الحالة الأبرز على صعيد الأصل العنصري والعرقي تبقى قائمة ، على حالة الارتباط بين العنصر السامي الذي تركز وجوده في الجانب الغربي من القارة الآسيوية ، والجنس الحامي المنتشر في شمال القارة الأفريقية.وعلى الرغم من التمييز بين العنصرين ، إلا أن حالة الربط المكاني تبقى حاضرة ، حيث العيش لكلا العنصرين على سواحل البحر المتوسط. بل أن البعض من النظريات المهتمة بدراسة الأعراق البشرية أشارت على حالة الاشتراك في الأصل الواحد بالنسبة للساميين والحاميين.، حيث أشارت إحدى النظريات إلى أنهم موجة بشرية قدمت من مناطق القفقاس واستقروا في بلاد سوريا، ومنها توزعوا في مناطق وادي النيل في الشمال الأفريقي وبلاد ما بين النهرين في غرب آسيا.لكن النظريات الأوسع انتشارا تبقى تشير إلى أن أصل العنصر السامي يعود إلى شبه الجزيرة العربية، ومن هذا المكان تحديدا انبثقت العديد من الآراء ، فالبعض يؤكد على تركز الساميين في الجنوب من الجزيرة العربية ، وآخرون يشيرون إلى منطقة نجد وهناك رأي يرجح انطلاقهم من المناطق المجاورة للبحرين باعتبار حركة الفينيقيين من هذه المنطقة نحو سواحل بلاد الشام، ، فيما يرى قلة من الباحثين إلى أن موطنهم الأصلي هو بلاد بابل باعتبار أنها الأرض التي تم تعميرها بعد أحداث الطوفان على يد نبي الله نوح. وعلى الرغم من الاختلاف والتنوع الذي يطبع طريقة متابعة وحركة وانتقال هذا العرق البشري ، إلا أن الترجيح والقبول يبقى يدور في إطار انتقال الساميين من بلاد نجد في قلب شبه الجزيرة العربية، نحو المناطق الشمالية في بلاد الرافدين والشام.وأبرز الأقوام الذين يعود أصلهم إلى العنصر السامي هم ؛ العرب، البابليون،، الآشوريون، الفينيقيون، الأموريون، الكنعانيون ، العبرانيون،الأحباش.
حالة الانتقال التي طبعت حركة هذا العرق البشري ، قد خضع لمجمل من التغيرات المناخية التي طغت على العالم خلال العصر الحجري الحديث، حيث التغير الذي بدأت آثاره تتضح في أعقاب نهاية العنصر الجليدي، وما تبدى من آثار مباشرة على طبيعة المناخ في الجزيرة العربية ، وحالة التصحر التي راحت تنتشر وبكثافة ملفتة، مما حدا بظهور موجات من الهجرات البشرية ، تطلعت نحو الانتقال نحو المناطق الأكثر خصوبة ، فكان البديل قد توفر في المناطق الشمالية، والتي تتوافر على المناخ المعتدل والأرض الصالحة للإنتاج الزراعي وتوفر المياه.فكانت الهجرة الأولى نحو بلاد ما بين النهرين في حدود 3500 ق.م،حيث سكن البابليون، فيما تحرك الآشوريون نحو منطقة أعالي الفرات.ويقدر الباحثون أن الموجة الثانية من الهجرة ، قد تمت بعد هذا التاريخ بحوالي ألف عام، في حدود العام 2500 ق.م،وخلالها تحرك الفينيقيون نحو ساحل البحر المتوسط ، لبنان الحالية، والكنعانيون نحو فلسطين والأموريون نحو سوريا.أما الموجة الثالثة من الهجرة ، فكانت في حدود العام 1500 ق.م، وخلالها تحرك الآراميون والعبرانيون نحو فلسطين.، أما الأنباط فقد نزحوا إلى وادي رم في حدود 500 ق.م ، فيما ارتبطت هجرة العرب الكبرى نحو هذه المنطقة بالقرن السابع الميلادي في أعقاب حركة الفتوحات الإسلامية.
من واقع الهجرات القديمة للعنصر السامي نحو أراضي الجوار الشمالي، والذي امتد تأثيره في المناطق الشمالية للقارة الأفريقية ، كان قد أثمر حالة من ترسخ العلاقة الثقافية والاجتماعية حتى كان الترابط اللغوي والتاريخي والتراثي لعموم هذه المنطقة والتي يطلق عليها اليوم مصطلح العالم العربي.
الأحوال السياسية قبل السيطرة العثمانية
في أعقاب سقوط بغداد على يد القبائل المغولية عام 1258م ، تعرض العرب إلى تفكك وتشرذم كيانهم السياسي، والذي راح يتوزع وفقا لحركة القوى المحلية والمجاورة ، وطبيعة الأطماع التي تعن على هذا الطرف أو ذاك، فالعراق على سبيل المثال غدا نهبا لظهور العديد من القوى ، التي ظهرت في أعقاب تراخي قبضة المغول الذين تعرضوا للهزيمة على يد الجيش المملوكي في معركة عين جالوت عام 1260م.، حيث برزت دولة القرة قوينلو و الآق قوينلو، فيما عمدت القوى المحلية نحو إضعاف الكيانات السياسية والتي تم النظر إليها بوصفها عبئا لا ينجم عنه سوى الطاعة وتحصيل الضرائب.وبظهور الدولة الصفوية في بلاد فارس في بداية القرن السادس عشر، تبرز طموحات الشاه إسماعيل الصفوي من أجل السيطرة على العراق ، حيث تم له احتلال بغداد عام 1508، مما كان له أبلغ الأثر في حفز الدولة العثمانية لتوجيه جهدها القتالي نحو المشرق، بعد أن كان مركزا في الغرب الأوربي.
في مصر والشام والحجاز، ظهرت السيطرة لدولة المماليك في أعقاب نهاية الدولة الأيوبية، أما منطقة الخليج العربي فقد احتفظت بنمط الحكم القبلي، فيما ظهر حكم الإمامة في مناطق الداخل من عمان.وحكم الأئمة الزيديون في اليمن تحت السيادة المملوكية، وخضعت بعض أجزاء السودان للسيطرة المملوكية، ووقعت طرابلس الغرب لسيطرة فرسان القديس يوحنا حتى تم إجلاؤهم على يد العثمانيين عام 1551، وفي تونس ظهرت الحفصية التي تأسست عام 1228، وفي الجزائر برزت دولة بنو عبد الوديد عام 1235، متخذة من مدينة تلمسان عاصمة لها.أما فاس الواقعة في المغرب العربي فقد حكمتها أسرة بني واطس عام 1470.فيما كان ظهور الأسرة العلوية منذ بداية العام 1619م.
الكيانات السياسية في المشرق الإسلامي
1. الدولة العثمانية:

نشأت الدولة العثمانية من تجمع القبائل التركية الرعوية القاطنة في المنطقة الشمالية الغربية المواجهة للدولة البيزنطية.وقد تمكن أرطغرل زعيم هذه القبائل من عقد التحالف مع الأمير علاء الدين السلجوقي، حتى حظي بتسنم منصب أمير مقاطعة أسكي شهر عام 1258م.وقد تمكن ولده عثمان من توسيع نفوذه على القبائل التركية المتواجدة في آسيا الصغرى، جاعلا من مدينة (( قرجه حصار)) بمثابة المركز الذي يتم منها انطلاق فعالياته العسكرية منذ العام 1288.وفي سبيل تعزيز نفوذه السياسي على عموم القبائل التركية ، عمد نحو مصاهرة أحد زعماء الطرق الصوفية من ذوي الحظوة والمكانة في نفوس الأتراك في المنطقة ، مما وثق مكانته في نفوس الأتباع ، حتى تمكن من تأسيس(( المدينة الجديدة ))، جاعلا منها عاصمة له.

في ضوء الترتيبات والتنظيمات التي وضعها عثمان، بدأت مرحلة الزحف العسكري المباشر نحو مناطق الجوار البيزنطي، فكان التوسع الأول قد بلغ مناطق بحر مرمرة والبحر الأسود، فيما تمكن ولده أورخان من فتح مدينة بورصة عام 1326م، لتكون عاصمة لملكه ومنها تبدأ الانطلاقة الحقيقية نحو إنشاء الدولة المترابطة القائمة على الأسس الثابتة والواضحة، حتى كانت الجهود التي بذلها أورخان نحو تعميق روح الدولة ، من خلال القيام بالتنظيمات الإدارية، والتي كان لها الدور الأبرز في تحقيق وحدة الدولة ، ومحاولة التخلص من آثار الطابع القبلي الذي كان سائدا فيها. حيث الحرص نحو توسيع سياسة التسامح واعتماد نظام الجيش القائم على الخطط الحربية والولاء إلى القائد العسكري وليس، إلى الفرع القبلي، ومن واقع الفتوحات البارزة التي تحققت، صار الاتجاه نحو توزيع الأراضي على الجند المقاتلة ، مما ولد حافزا واضحا للمقاتلين للاندفاع والمساهمة الجادة في المعارك.بل أن روح الانفتاح قد تمثلت في طريقة التعامل مع الرعايا المسيحيين، الذين تم فتح مدنهم ، حيث صار الاتجاه نحو دفع الجزية مقابل الإعفاء عن أداء الخدمة العسكرية،فيما اعتبر من يدخل الإسلام من أهل الذمة مواطنا عثمانيا ، يتمتع بكافة الحقوق التي تخص العثمانيين. وفي سبيل النهوض بواقع الدولة الجديدة فإن السلطان كان قد وجه الجهود نحو العناية بالأمن والحرص على تعزيز الاستقرار الداخلي.
بتولي السلطان مراد الأول لشؤون الحكم(( 1360-1388)) يبدأ عصر التوسع العسكري، حيث تمكن من تحقيق الانتصارات على الصرب والبلغار، فيما جاء جهود السلطان بايزيد الأول (( 1389- 1402)) لتعزز من هذا الرصيد.أما اللحظة الحاسمة في التاريخ العثماني فقد تمثلت في العمل التاريخي البارز الذي حققه السلطان محمد الثاني(( 1451- 1481)) حيث تمكن من فتح القسطنطينية حاضرة الدولة البيزنطية في مايو 1453، ليتم بعدها حالة التوسع العسكري الكبير، ولم يقف الأمر عند الجانب العسكري فقط ، بل تخطاه نحو تنظيم بنية الدولة الإدارية حتى بدت الدولة العثمانية في عهده بمثابة القوة الإسلامية الرئيسة في مواجهة الغرب الأوربي.
شهدت حقبة تولي السلطان سليم الأول 1512- 1520 تحولا واضحا في الإستراتيجيا العسكرية العثمانية، حيث اتجهت الفعاليات الحربية نحو جهة الشرق، لاسيما بعد ظهور الدولة الصفوية في بلاد فارس وتنامي حالة الصراع الطائفي بين الطرفين، والمواجهات والتنازع الذي تفاقم من أجل مد النفوذ والسيطرة على مناطق الجوار ، لاسيما العراق والذي غدا حلبة صراع بين الطرفين.
2. الدولة الصفوية:
تعود أصول هذه الدولة إلى الشيخ صفي الدين أردبيلي، الذي قيض له أن يحظى بالمكانة والحظوة بين أتباعه، لا سيما وأن البلاد عانت من الويلات والحروب الأهلية المدمرة التي ولدها عهد السيطرة المغولية، والأسرة التيمورية.وتمكن هذا الشيخ أن يوظف العامل الديني في حشد الأتباع والمريدين، حتى كانت الطريقة الصوفية التي يرأسها قد تجسد فيها الكثير من المعطيات العسكرية والسياسية. ومن هذا كان التطلع نحو المزج بين الديني والدنيوي، ليتم للشاه إسماعيل الصفوي من إعلان الدولة الصفوية عام 1502م.مستفيدا من الدعم المباشر الذي قدمته له قبائل القزلباش والتي شكلت القوة الضاربة له ، لا سيما على صعيد نشر المذهب الشيعي في إيران واتخاذه مذهبا رسميا للبلاد. ومن واقع التأكيد على محاولات نشر المذهب في مناطق شرق الأناضول والعراق،بدأت الدولة العثمانية تستشعر مدى الخطر الذي تمثله توجهات الشاه الصفوي ، لا سيما في أعقاب احتلاله للعراق عام 1508، حتى كان التفكير الجدي قد تبدى لدى السلطان سليم الأول والذي قاد جيوشه في معركة جالديران عام 1514، والتي أسفرت عن سقوط العاصمة تبريز وهروب الشاه منها
3. الدولة المملوكية:
قامت دولة المماليك في أعقاب سقوط الدولة الأيوبية عام 1250، ونهضت دولة المماليك البحرية بواجب مواجهة الخطرين الصليبي والمغولي، ونتيجة للصراعات الداخلية والفتن المستمرة تعرضت هذه الدولة للنهاية على يد دولة المماليك البرجية ، أو ما يعرف بالجراكسة، في العام 1382، وتمكن هؤلاء من بسط نفوذهم السياسي على مصر والشام والحجاز واليمن، حتى كانت نهاية دولتهم على يد السلطان سليم الأول عام 1517.
تمكنت دولة المماليك من أداء دورها في الدفاع عن الإسلام، واستطاعت أن تنهض بمسؤولياتها التاريخية في فترة من الصراع والفتن والاضطراب المقيم،ولعل أبرز المشكلات التي واجهتها هذه الدولة قد تمثلت في الصراع الملفت على النفوذ والسلطة بين قادة المماليك أنفسهم، وتوجه الكثير منهم نحو تعزيز سلطانه وحشد الأتباع والجنود حوله ، حتى وإن كان يؤدي هذا الأمر إلى إضعاف كيان الدولة .فيما تعرضت اقتصاديات البلاد إلى الخراب والنهب المستمرين حتى أن خزينة الدولة باتت في الكثير من الأحيان تعلن إفلاسها ، مما جعل السلطان يعمد نحو الاستعانة بالتجار وكبار القادة في سبيل تسيير شؤون الدولة ماليا ، ولم تتردد السلطة من فرض الضرائب العالية على السكان، حتى ضجت الشكوى وتعالت الأصوات المناوئة الرافضة للظلم المقيم الذي راح يتنامى ويتضخم على يد القادة المماليك.
لم يقف الأمر على الصعيد الداخلي، بل أن قصر النظر السياسي والاقتصادي، كان قد تبدى لدى المماليك في مجال التجارة الخارجية ، فقد عمدوا إلى المبالغة المفرطة في رفع أسعار التوابل ذات الطلب الشديد من قبل الدول الأوربية، ومن هذا الواقع راح الأوربيون يحثون الخطى من أجل البحث عن طريق جديد نحو الشرق والهند تحديدا في سبيل الخلاص من الاحتكار والهيمنة المملوكية.ولم يطل الأمر حتى تمكن فاسكو دي غاما من اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح عام 1498، والذي مهد للبرتغاليين من اقتحام الشرق والسيطرة على منافذ السياسة والتجارة فيه.
حاول السلطان الغوري حشد الجهود من أجل مواجهة الخطر البرتغالي ، فعمد للتحالف مع التجار البنادقة وبعض الحكام المسلمين في الهند، فيما حرص على تجريد حملة عسكرية بقيادة حسين الكردي، لتتم المواجهة بين الطرفين في المنطقة الشمالية الشرقية من الساحل الهندي، في الموقع الذي أطلق على المعركة ، فكانت معركة دايو عام 1509 والتي شهدت انكسار الأسطول المملوكي بازاء الفارق النوعي الذي تميز به الأسطول البرتغالي
إشارات وإحالات:
1.عبد الرحيم عبد الرحمن، تاريخ العرب الحديث، دار الكتاب الجامعي، القاهرة 1986.
2.إسماعيل أحمد ياغي، العالم العربي في التاريخ الحديث،مكتبة العبيكان، الرياض 1997.
3.رأفت الشيخ، في تاريخ العرب الحديث،دار الثقافة، القاهرة 1983.
4.جلال يحيى و جاد طه، تاريخ العرب الحديث،لا ناشر لا تاريخ.
5.جلال يحيى، العالم العربي الحديث والمعاصر،المكتب الجامعي، الاسكندرية 1998. ج1.
6.محمد كوبريلي، قيام الدولة العثمانية ، ترجمة أحمد السعيد، الهيئة المصرية العامة ، القاهرة 1993.
7.بول كولز، العثمانيون في أوربا، ترجمة عبد الرحمن الشيخ، الهيئة المصرية العامة، القاهرة 1993.
8. زاهية قدورة، تاريخ العرب الحديث،دار النهضة العربية، بيروت1985.
9.حلمي محروس، تاريخ العرب الحديث، مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية1997.
10.توفيق اليوزبكي وآخرون، دراسات في الوطن العربي، مؤسسة دار الكتب، الموصل 1974.
11. إسماعيل نوري الربيعي، العرب والإستعمار، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة 2000.











الفصل الثاني
العرب والعثمانيون
تطلع العثمانيين نحو المشرق
تعرضت الإمبراطورية المغولية إلى الوهن والضعف في أعقاب وفاة تيمورلنك في بداية القرن الخامس عشر.فكان أن ظهر الفراغ السياسي الذي استفادت منه بعض القوى القبلية التركمانية القاطنة في المنطقة، والتي عمدت نحو حشد جهودها نحو تكوين كيانات سياسية دافعها السيطرة ومد النفوذ على المنطقة ، وعليه برزت دولة القرة قوينلو(( الخروف الأسود)) والتي استطاعت أن تمد نفوذها على مناطق واسعة من بلاد فارس.وقيض لها أن تتوسع حتى شارفت سيطرتها على المناطق الغربية والجنوبية من بلاد وفارس بالإضافة إلى العراق.وجعلت من مدينة تبريز عاصمة لها.وكان لها الدور البارز في مواجهة بقايا نفوذ الدولة التيمورية هذا بالإضافة إلى مواجهاتها المستمرة مع الدولة المنافسة لها والمعروفة بإسم دولة الخروف الأبيض(( الآق قوينلو)).ونتيجة لاحتدام التنافس والصراع بين الطرفين، تعرضت دولة الخروف الأسود إلى الوهن والضعف، حتى كانت الهزيمة لها خلال عهد جهان شاه بن قرة يوسف عام 1466، على يد أوزون حسن(( الطويل)) زعيم الآق قوينلو.
تأسست دولة الآق قوينلو في العام 1378، بدعم من قبل تيمورلنك، وقيض لهذه الدولة أن تبسط سيطرتها على مناطق أرمينيا وأعالي الفرات، جاعلة من مدينة ديار بكر عاصمة لها.ومن واقع الجهود التي بذلها قائدها أوزون حسن ، تمكنت أن تسيطر على عموم بلاد فارس، وصار لها القول الفصل في المنطقة.ومن واقع النمو السياسي الذي برزت عليه الدولة العثمانية ، لاسيما خلال عهد السلطان محمد الثاني (( الفاتح)) الذي قيض له من فتح القسطنطينية عام 1453 ، وبروزه كقائد شديد البأس ، تمكن في أعقابها من ترصين مكانة الدولة ، حتى راح يفتح المدن المختلفة ، ومنها طرابزون عام 1461 وقرة مان 1465.بإزاء هذه الفتوحات استشعر القائد أوزون الخطر، حتى راح يحشد قواته لمواجهة العثمانيين، بل أن مخططاته بلغت إلى حد عقد التحالف مع دولة البندقية، فيما سير جنوده نحو بعض المدن العثمانية ، مثل توقات وقيصرية، ومن هذا لم يجد السلطان العثماني بدا من تسيير حملة عسكرية كبيرة قادها بنفسه نحو آسيا الصغرى، ليلحق الهزيمة بجيش الخروف الأبيض في معركة بابرت عام 1473.
بقيت دولة الخروف الأبيض بين فكي الرحى ، حيث الدولة العثمانية التي أثبتت الأحداث تفوقها العسكري، إلا أن المشكلات والصراع على الحكم جعل منهم مترددين وغير قادرين على حسم العلاقة القائمة ، فيما تسلل النفوذ الصفوي في جسد دولة الأبيض عبر علاقة المصاهرة والزواج.فعلى على الرغم من النشأة الدينية التي ميزت الصفويين خلال حياة مؤسس الأسرة صفي الدين ت 1334 في مدينة أردبيل من أعمال أذربيجان، إلا أن ملامح تنامي الروح العسكرية قد برزت خلال زعامة الشيخ جنيد، والذي تعاظم نفوذه بعد أن وجد الدعم والمساندة من قبل أوزون حسن الذي عمق العلاقة من خلال المصاهرة، حيث زوجه أخته، ولم يطل الأمر حتى تعرض جنيد للقتل في معركة دارت ضد حاكم شروان عام 1460.

نتج عن علاقة المصاهرة التي تمت بين جنيد و شقيقة أوزون، انجاب حيدر الذي نشأ في رعاية خاله أوزون، حيث رعاه وقدم له الدعم في سبيل استعادة حكمه على اردبيل عام 1470. وما أن حل العام 1487، حتى رزق حيدر بولده إسماعيل، ولم يطل الأمر حتى تعرض حيدر للقتل عام 1488 على يد حاكم شروان.وعلى الرغم من الظروف العسيرة التي واجهت الصفويين إلا أن إسماعيل تمكن من حشد أتباعه حتى تمكن من بسط نفوذه على أذربيجان وغرب فارس والعراق.
بتعاظم النفوذ الصفوي في الدولة العثمانية ، أقدم السلطان العثماني بايزيد الثاني في العام 1502 إلى نفي أتباع الصفويين إلى منطقة المورة، لكن المشكلات وأحوال التوتر بقيت تتفاقم، وما أن حل العام 1511 حتى قامت حركة مناوئة في الأناضول بقيادة شاه قولي،، ومن هذا الواقع الخطير لم يتوان السلطان من إرسال حملة عسكرية بقيادة الصدر الأعظم، الذي تعرض للقتل وتشتت جيشه، لكن هذا الفوز لم يكن له الدوام خصوصا وأن التموين والدعم المأمول من قبل الشاه كان معدوما نتيجة انشغاله في حروبه في شرق بلاد فارس. ومن هذا عمد العثمانيون نحو حشد الجهود ومطاردة الثائرين ، حتى تم قتل شاه قولي، فيما توجه ما تبقى من الثائرين للالتجاء نحو عاصمة الصفويين تبريز.
تعرضت الدولة العثمانية إلى أزمة داخلية خانقة ، تمثلت في الصراع المحتدم داخل الأسرة الحاكمة، حيث نشب الصراع بين سليم وأخيه أحمد، والذي تطور إلى قتال مباشر نتج عنه لجوء أحد أبناء الأمير أحمد إلى البلاط الصفوي.ولم يتوان الشاه من اغتنام الفرصة ، حيث أقدم على دعوة أتباعه المتواجدين في الأناضول من أجل الالتحاق به، بالإضافة إلى إرساله وفدا إلى سلطان المماليك قانصوه الغوري، من أجل التعاون على محاربة العثمانيين.من هذا بدأ السلطان سليم بمطاردة أتباع الصفويين في الأناضول ، حتى أنه أقدم على قتل ما يقرب من أربعين ألفا من ذوي الميول الصفوية.مما حدا بالشاه إسماعيل لإعلان نفير الحرب وحشد جيشه من أجل الهجوم على العثمانيين ومحاولة إعلان الأمير مراد سلطانا، نكاية بالسلطان سليم.إلا أن هذا الأخير بادر للهجوم نحو بلاد فارس في العام 1514.
حقق العثمانيون نصرهم البارز على الصفويين في معركة جالديران، وتمكنوا من دخول العاصمة تبريز، وتشتيت جيش الشاه، إلا أن أنهم لم يتمكنوا من حسم الأمر،ومن هنا ينفتح المجال على المزيد من الأسئلة ، حول الفارق الواضح في التنظيم العسكري والإداري والقوة النارية، حيث سلاح المدفعية الذي برع فيه العثمانيون.ويبقى الأهم في كل هذا يقوم على أن الجيش الإنكشاري كان له الدور الأبرز في إجبار السلطان على إيقاف الزحف داخل البلاد الفارسية ، خصوصا وأن مشكلات التموين شكلت عائقا شديد الحضور بالنسبة للجيش.هذا بالإضافة إلى حالة الاختلاف في المكان الذي تعرض له الجيش العثماني، حيث القتال في الجبهات الأوربية الذي اعتادوا عليه. والواقع أن مسألة حسم الصراع بين الطرفين كان بمثابة الغاية البعيدة المنال، حيث الخضوع لعوامل الجغرافيا والتموين والإمدادات والنفوذ والخبرات المتداولة.وعلى هذا برز الميل من قبل الطرفين نحو نقل الصراع نحو البلاد العربية، حيث كانت المبادرة العثمانية هي الأرجح والأشد حضورا نتيجة للجهود التي بذلها السلطان سليم في ذلك.
الفتح العثماني لبلاد الشام ومصر
تميزت العلاقة السياسية بين العثمانيين و دولة المماليك بالتفاهم، لا سيما خلال الفترة المبكرة من عمر الدولة العثمانية.لكن العلاقة سرعان ما تعرضت للتحول بعد أن توسع العثمانيون وصاروا على تخوم حدود المماليك الشامية.هذا بالإضافة إلى التنافس الذي برز على صعيد نشر النفوذ البحري، في البحر المتوسط، والذي كان ينظر إليه بوصفه منطقة نفوذ تقليدي لدولة المماليك.وعلى مدى القرن الرابع عشر الميلادي ، بقيت العلاقة بين الطرفين غير ثابتة ، فهي بين تعاون تبدى في مواجهة الخطر الذي مثله تيمورلنك، حيث تحالف كل من السلطان برقوق ت 1396 والسلطان بايزيد الأول ت 1402.لكن حالة التعاون هذه سرعان ما انفصمت عراها بعد إقدام بايزيد على احتلال ملطية عام 1399.حتى كان عهد السلطان المملوكي فرج بن برقوق 1396-1412 ، قد تمثلت فيه حالة من الحذر الشديد والقلق الدائم من العثمانيين.
مثلت حالة التنافس العسكري مظهرا لافتا في بروز حالة الحذر من قبل الطرفين ، فبعد تمكن الأشرف برسباي ت 1438 من السيطرة على جزيرة قبرص عام 1429، تركزت لدى العثمانيين القناعة بأن المماليك قوة عسكرية بارزة لا يمكن الاستهانة بها،وهكذا استمرت حالة الصراع الخفي على النفوذ بين الطرفين، على الرغم من الاحترام الشديد الذي يكنه الطرفان لبعضهما ، فيما غدت إمارة ذي القدر الواقعة بمثابة الحاجز بين الدولتين في شمال بلاد الشام، مدارا لصراع النفوذ، حتى راح كل طرف يؤيد طرفا من الأسرة الحاكمة ، لتتعرض هذه الإمارة إلى الصراعات الناشبة والمحتدمة داخل البيت الحاكم ، ولم يقف الأمر عند هذا النزاع، بل تفاقم عندما أقدم السلطان قايتباي ت 1496 على استقبال الأمير العثماني بهم بن السلطان محمد الثاني، في أعقاب خلافه مع أخيه بايزيد الثاني 1381- 1512 حول وراثة العرش، لتتفاقم أحوال العلاقة بين الطرفين وتتشابك ، حتى أن السلطان العثماني لم يتردد من غزو بلاد الشام في العام 1485 بطريقة مباغتة. وبالمقابل لم يتردد السلطان قايتباي هو الآخر من إرسال حملة عسكرية لمواجهة العثمانيين في بلاد الشام،ولم يوقف هذه المناوشات، إلا أن الإنشغالات الداخلية والأهداف التي عنت على الطرفين، فكانت المعاهدة التي وقعت بين الطرفين عام 1491، والتي نصت على عدم الاعتداء ، نتيجة للظروف التي ألمت بمصر حيث تعرضت لموسم من الجفاف ، كان له الأثر المدمر على الاقتصاد، فيما كان بايزيد يخطط من أجل التفرغ لإتمام فتوحاته في أوربا واكتساح بلغراد.
ساهمت الظروف السياسية التي برزت في أعقاب تأسيس الدولة الصفوية، ووصول البرتغاليين إلى مناطق الجنوب العربي، وتشكيل التهديد المباشر على النفوذ المملوكي في البحر الأحمر، أن تبرز حالة التعاون بين العثمانيين والمماليك خلال بواكير القرن السادس عشر.وقد بلغت مرحلة الود بين الطرفين، إلى الحد الذي أقدم السلطان الغوري ت 1516 أن يطلب من العثمانيين إرسال الدعم والمساعدة العسكرية ، من أجل مواجهة القوة البرتغالية، ليتم إرسال شحنة كبيرة من الأسلحة كان مصيرها ، أن وقعت تحت يد فرسان القديس يوحنا في جزيرة رودس.لكن عملية القرصنة هذه لم تمنع السلطان بايزيد الثاني من إرسال شحنة ثانية وصلت مصر في العام 1511، بالإضافة إلى إرسال مجموعة من الضباط والمهندسين البحريين ، من أجل النهوض ببناء أسطول مملوكي تكون له القدرة على مواجهة التحديات الجديدة التي فرضتها الظروف السياسية.
على الرغم من العلاقة الودية التي برزت بين المماليك والعثمانيين، إلا أن موقف المماليك خلال معركة جالديران 1514، كان مغلفا بالغموض،حتى أن العثمانيين اعتبروا الموقف الصادر عن المماليك بمثابة النصرة للصفويين،هذا بحساب أنهم لم يرغبوا بازدياد قوة العثمانيين، كما أن قوتهم العسكرية لم تكن تؤهلهم لاتخاذ موقف صريح من الصراع الدائر، إلا أن الثابت أن المماليك حاولوا الوقوف إلى جانب الصفويين، ومن هذا فإن السلطان سليم كان قد وجه اتهامه نحو السلطان الغوري بإعاقة تقدم قواته من خلال تحريضه للأمير علاء الدين بالامتناع عن تقديم المؤونة للجيش العثماني.وعليه فأن السلطان سليم لم يتردد من إعلان الحرب على إمارة ذي القدر وقتل أميرها، مما عد عملا عسكريا موجها نحو دولة المماليك.
في ظل هذه الأوضاع المتوترة بادر السلطان الغوري للتحرك نحو بلاد الشام، وما أن وصل الأطراف الشمالية لمدينة حلب، حتى كانت المواجهة العسكرية بازاء جيش السلطان سليم في معركة مرج دابق عام 1516، ومن واقع الاختلاف في التنظيم والإعداد والقدرات العالية التي يمتلكها الجيش العثماني، بالإضافة إلى حالة الانقسام والوهن وتعدد الولاءات التي اجتاحت الجيش المملوكي، ومما فاقم بالأوضاع التي أحاطت بالمماليك أن حكام حلب وحماة كانوا قد تراسلوا سريا مع العثمانيين ، لتكون الهزيمة المنكرة بالمماليك ،حتى أن السلطان الغوري تعرض للقتل في هذه المعركة.
في ظل النصر الذي تحقق للسلطان سليم، بدأت الوفود بالتوجه إليه في مقر إقامته في حلب، حتى أن الخليفة العباسي المتوكل على الله والذي كان يعيش في كنف المماليك، لم يتردد من نقل لقب خادم الحرمين الشريفين إلى السلطان سليم، بعد أن كان يلقب به سلاطين المماليك. ولم يطل المقام بالسلطان سليم حتى توجه بقواته نحو دمشق، حيث استقبل فيها الوجهاء والسراة والقادة ومن بينهم أمير لبنان فخر الدين المعني الأول، مقدمين له فروض الطاعة والولاء.
لقد فكر السلطان سليم مليا في موضوع الزحف نحو مصر، فقد توقف مليا عند الأخطار المحدقة بجيشه إن هو تحرك نحو منطقة يدين أهلها بالولاء للمماليك.هذا بالإضافة إلى الحضور القوي والنفوذ الواسع الذي يتمتع به نائب السلطان الغوري طومان باي.وعلى هذا فكر السلطان بعرض فكرة حكم مصر بالنيابة عن العثمانيين على طومان، لكن الأخير رفض الفكرة، وعمد نحو حشد قواته من أجل الدفاع والمواجهة.مما حدا بالعثمانيين أن يواصلوا زحفهم عبر يافا وغزة والعريش،حتى بلغ القاهرة.لتتم المواجهة في معركة الريدانية عام 1517، حيث قيض للعثمانيين من إلحاق الهزيمة بالمماليك بعد استخدامهم للمدفعية الثقيلة والسلاح المتطور الذي يملكون.وعلى الرغم من الانتصار الكبير الذي تحقق ، إلا أن طومان باي بقي حريصا على الدفاع واستطاع أن ينزل المزيد من الهزائم الصغيرة بالعثمانيين، مما اضطر سليما أن يعرض عليه ولاية الصعيد، لكن هذا العرض جوبه بالرفض، واستمر بالمقاومة ليلجأ إلى منطقة الدلتا ، والتي تم فيها تسليمه إلى العثمانيين غدرا، ليتم إعدامه في ذات العام في مدينة القاهرة.
بعد استتباب الأوضاع للعثمانيين، بدأ السلطان سليم جولته في الربوع المصرية، وبدأ دراسته المعمقة لطريقة الإدارة المملوكية لبلاد مصر ، حتى أنه عمد إلى جمع الصناع والحرفيين المهرة ونقلهم إلى العاصمة إستانبول للإفادة من خبراتهم.فيما حرص على جمع شتات المماليك وأمر بالإبقاء عليهم في ذات الوظائف الإدارية التي يشغلونها، باعتبار الخبرة التي يمتلكونها، وقبل المغادرة ، جعل من خاير بك واليا على مصر.
كان للفتح العثماني لمصر ، دوره في حفز البعض من المؤرخين للحديث عن موضوع تنازل الخليفة العباسي عن لقبه لصالح السلطان سليم.إلا أن موضوعة الخلافة تبقى تعاني من الوهن ، خصوصا وان السلاطين بني عثمان لم يستخدموا هذا اللقب، إلا في الفترة المتأخرة من عمر الدولة ، عندما حاولوا حشد الجموع الإسلامية نحو مواجهة الزحف الأوربي الذي اشتدت آثاره.هذا بالإضافة إلى أن المؤرخين المعاصرين للأحداث، ومنهم ابن إياس، لم يتطرقوا إلى ذكر هذه المسألة، كما أن الوثائق العثمانية الرسمية ومنها الرسائل المتبادلة والأوامر السلطانية الصادرة ، لم تذكر مسألة الخلافة.والواقع أن لقب الخلافة لم يكن يعني للعثمانيين الشيء الكثير إبان حقبة قوتهم العسكرية وفتوحاتهم الواسعة والكبيرة التي تحققت لهم.
العثمانيون والحجاز
ارتبطت الحجاز بمصر ، من دون الوقوف على طبيعة ونوع النفوذ السياسي القائم، فنظام الأشراف الذي كان قائما في مكة المكرمة، كان ينظر إلى مصر بوصفها المنطقة السياسية التي توفر الحماية والأمن، بالإضافة إلى دفع المرتبات والمواد العينية التي كانت تصل إلى الأفراد.ومن هذا الواقع فإن تبعية الحجاز السياسية ، قد آلت إلى السيادة العثمانية عام 1517، من دون قتال أو مناوشات عسكرية.وعلى الرغم من الارتباط بمصر ، إلا أ، نظام الأشراف كان يتمتع باستقلال ذاتي، لا سيما على صعيد اختيار شريف مكة ، الذي كان يتم من خلال القرار الصادر عن حلقة الأشراف في مكة، ومن ثم يرفعون التوصية إلى حاكم مصر من أجل إقراره وجعله قابلا للتنفيذ.
العلاقة المميزة بين أشراف مكة والمماليك، بقيت مميزة وقوية حتى قدوم البرتغاليين إلى المنطقة عام 1498، والتحولات التجارية والضغوط العسكرية التي مورست من قبلهم، وحالة العجز البارز الذي نال المماليك بازاء المواجهة ، فقد تأثر النشاط التجاري في الحجاز جراء الإجراءات المتعسفة التي قام بها البرتغاليون في منطقة البحر الأحمر ، وحالة الحصار البحري الذي نال من ميناء جدة، حتى ضج الأشراف بالشكوى، إلى الحد الذي برزت حالة الصدام المباشر ضد السلطان الغوري، الذي لم يتوان من قمع حركة الرفض والقيام باعتقال العديد من الرجالات البارزة ونقلهم إلى القاهرة ، كي يكونوا تحت مراقبته المباشرة.
بفتح العثمانيين لمصر عمد السلطان سليم إلى إكرام المعتقلين من أهل الحجاز ، حتى أنهم ولفرط إعجابهم بهذا العمل حرصوا على الاتصال بالشريف بركات بن محمد شريف مكة ت 1524، طالبين منه أن يعلن ولاءه للسلطة العثمانية.ولم يتردد الشريف من إعلان الولاء والطاعة، في محاولة منه للحصول على الدعم العسكري والحماية ، من قبل دولة كبيرة مثل العثمانية ، بالإضافة إلى إمكانية استمرار المساعدات المالية التي كانت تصل إليه خلال العهد المملوكي، مع أهمية التفكير بالحصول على الدعم الشخصي الذي كان ينشده الشريف في ظل الصراع الذي احتدم داخل الأسرة.وهكذا عمد الشريف إلى إرسال ولده الشريف جمال الدين محمد أبي نمي، إلى السلطان سليم الذي كان متواجدا في القاهرة، ليقدم له فروض الولاء والطاعة ، بالإضافة إلى تسليمه لمفاتيح الكعبة ، كتعبير عن النفوذ والسيطرة والسيادة للعثمانيين على تلك المنطقة.
في ضوء ذلك أبقى العثمانيون على نظام الشرافة المعمول به في الحجاز، وتركوا الأشراف يشرفون على أعمالهم القديمة التي اعتادوا عليها،فيما استحدثوا سنجقا في جدة ، وضعوا عليه واليا عثمانيا. ومن واقع السيطرة العثمانية على الحجاز، فإن نفوذهم البحري كان قد برز في البحر الأحمر وصولا إلى ميناء عدن، حيث منعت السفن المسيحية من دخوله والإبحار فيه، باعتبار أن سواحل هذا البحر تطل على المقدسات الإسلامية.
فتح اليمن
ببلوغ العثمانيين نفوذهم على مصر والحجاز، يكون البحر الأحمر وقد أضحى في صلب الاهتمام العسكري العثماني، لا سيما وأن جنوب هذا البحر قد غدا مسرحا لمحاولات التسلل الصادرة من قبل البرتغاليين ، الذي أضروا بمصالح بلدان المنطقة ، عندما عملوا على تغيير الطريق التجاري، وما رافقه من انهيار اقتصادي برزت آثاره الواضحة في توقف الفعاليات التجارية في مناطق الشمال العربي، بالإضافة إلى القسوة والبطش التي مارسها البرتغاليون، في تعاملهم مع الكيانات السياسية العربية إبان تلك الحقبة.
مثل فتح مصر بالنسبة للعثمانيين نصرا مؤزرا وعملا تاريخيا شديد الأهمية ، في مجال توسيع النفوذ والسيطرة ، لكنه من جانب آخر فتح جبهة جديدة على العثمانيين في البحرين ، إذ ورثوا المشكلات التي واجهت دولة المماليك في صراعهم البحري مع البرتغاليين، ولم يتوانوا عن تأسيس قاعدة بحرية في السويس، غدت منطلقا لحركة السفن نحو مهاجمة السفن البرتغالية في المنطقة، بالإضافة إلى الحركة الواسعة التي راحت تتبدى بالقرب من السواحل اليمنية.والرغبة العثمانية التي راحت تبرز حول أهمية موقع عدن كميناء يمكن من خلاله السيطرة على الحركة البحرية في البحر الأحمر وبحر العرب جنوبا.
عانت اليمن من حالة الصراع المملوكي الداخلي، حتى أن القادة المماليك ، لم يراعوا حالة التنازع السياسي الداخلي في اليمن والمتمثل بين الطاهريين 1454- 1517 والأئمة الزيدية في مناطق الشمال.بل كان المماليك من فاقموا حالة النزاع بين الطرفين، حتى أن القوات المملوكية التي فشلت في المواجهة بازاء العثمانيين توجهوا نحو مدينة زبيد التي تواجد فيها القائد المملوكي بومباي.فيما توجه الأميران المملوكيان رمضان اللاوندي واسكندر الشركسي نحو إعلان ولائهما للعثمانيين، حتى أمر السلطان سليم أن يتولى اسكندر حكم اليمن.
بقيت اليمن تعاني من صراع النفوذ القائم بين بقايا أمراء المماليك، الأسرة الطاهرية والأئمة الزيدية والتهديدات التي كان يمثلها الوجود البرتغالي في المنطقة. في ظل هذه الأوضاع، أصدر السلطان سليمان القانوني ت 1566، أوامره لإبراهيم باشا بقيادة الأسطول من السويس نحو مد السيطرة المباشرة على اليمن، باعتبار أن النفوذ كان اسميا.وتحرك الأسطول في العام 1525، إلا أن الحملة تعرضت للفشل.وما أن حل العام 1538 حتى تحركت حملة سليمان باشا الخادم، حيث تمكن من احتلال ميناء عدن، ليواصل طريقه نحو مواجهة العثمانيين في بحر العرب والخليج العربي، وفي طريق عودته قيض له السيطرة على مدينة زبيد ، لكنه فشل في إخضاع مدينة تعز، التي كان يتحصن بها الزيديون، تحت زعامة الإمام شرف الدين، ومن هذا فإن النفوذ العثماني في اليمن بقي يعاني من تقسيم النفوذ،حيث السيطرة على مناطق السواحل م جيزان وصولا إلى عدن، فيما بقيت المناطق الداخلية تحت سيادة الزيدية، وبحلول المنتصف من القرن السادس عشر، حتى بات النفوذ العثماني عرضة للهجوم المستمر من قبل هجمات الزيديين من الشمال ، والقبائل العربية من الجنوب، ليتعرض وجوده إلى الانكماش.
شهدت اليمن توجيه حملة عسكرية كبيرة خلال عهد السلطان سليم الثاني 1566- 1574، حيث وجه سنان باشا عام 1569، الذي أنزل قواته في ينبع ومنها تم التحرك البري من أجل السيطرة على جيزان وتعز وعدن حتى تمكن من السيطرة على صنعاء في شهر يوليو.لكن المقاومة العنيفة التي أبداها الزيديون بقيادة الإمام المطهر، جعلت من سنان باشا يوقع اتفاقية الصلح عام 1570، والتي تم من خلالها الحصول على السيادة العثمانية الاسمية.تلك السيادة التي انتهت عندما قام الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم بإخراج العثمانيين عام 1635 وقيام دولة القاسميين الزيدية التي تمكنت من حكم اليمن.
فتح العراق
في أعقاب الانتصار الذي تحقق للعثمانيين على الصفويين في معركة جالديران عام1514 ، تعرض النفوذ الصفوي إلى التقلص، هذا بحساب تمكن العثمانيين ممن مد نفوذهم على الموصل وديار بكر وماردين، فيما راح أمراء الولايات المجاورة يتسابقون نحو إعلان ولائهم كما بالنسبة لإمارات بدليس والعمادية وجزيرة ابن عمر، فيما بقيت بغداد تحت النفوذ الصفوي، هذا النفوذ الذي سرعان ما تعرض إلى الوهن والضعف في أعقاب وفاة الشاه إسماعيل عام 1524، حيث أقدم ذو الفقار خان حاكم الكهلر على الزحف نحو بغداد واحتلالها، ولم يتوان من إعلان ولائه لصالح العثمانيين، حيث أرسل إلى السلطان سليمان القانوني الأموال والهدايا الثمينة تعبيرا عن الخضوع.وبازاء هذا التطور عمد الشاه طهماسب الصفوي 1525- 1576 إلى تجهيز حملة عسكرية كبيرة من أجل استعادة مدينة بغداد عام 1530، وبعد حصار طويل لها، تمكنت القوات الصفوية من عقد اتفاق مع أشقاء ذو الفقار الذين عمدوا إلى قتله وتسليم المدينة على الشاه، الذي جعل من محمد خان واليا على بغداد، ليعود إلى العاصمة قزوين.
تفاقمت أوضاع العلاقة بين العثمانيين والصفويين، حيث لعب أمراء الأكراد دورا واضحا في توزع الولاء، فقد تبدلت خارطة الولاء بطريقة مربكة، فأمير بدليس غير ولاءه لصالح الصفويين، وحاكم تبريز اتجه نحو العثمانيين، فيما تعرضت ولايات حلب وديار بكر إلى الهجمات العسكرية المستمرة من قبل القبائل الكردية.ولم يتوان الشاه من تقديم الدعم للحركات الانفصالية في الدولة العثمانية، حيث عمد نحو مساندة ثورة قلنور جلبي في الأناضول عام 1527، هذا بالإضافة إلى حالة التقارب السياسي الذي تم بين الشاه وبعض القوى الأوربية عام 1529، والذي أعلنوا رغبتهم بتقديم الدعم لصالح الصفويين في صراعهم مع العثمانيين.ومما فاقم طبيعة العلاقة أن وفودا عديدة من أهالي بغداد راحوا يصلون إلى العاصمة العثمانية ، مطالبين السلطان بأهمية مساندتهم بازاء ما يعانون تحت سيطرة الوالي الصفوي.
في ضوء التطورات السياسية المتلاحقة ، وجه سليمان القانوني أوامره لإبراهيم باشا بأهمية التوجه للزحف نحو بغداد، لتبدأ الحملة في أكتوبر 1533 قاطعة الطريق الواصل من حلب فديار بكر وصولا إلى تبريز حيث لحق به السلطان، حتى همدان ، ومنها تم التوجه المباشر نحو بغداد، ومن واقع الحملة الكبيرة والإعداد الجيد الذي تم لها ، حاول الشاه طهماسب أن يتغاضى عنها ، ولهذا لم يتردد الولاة المتواجدين في المنطقة ، من إعلان ولائهم لصالح العثمانيين.وبحلول شهر ديسمبر عام 1534 تم للسلطان سليمان القانوني دخول بغداد فاتحا.

حاول السلطان أن ينهج نحو التقريب بين الأطراف المتنازعة داخل مدينة بغداد، والتي عانت طويلا من الصراع المذهبي والطائفي، حيث حرص على زيارة الأضرحة والمقامات المنتشرة في العديد من مناطق العراق، وعمل على إنشاء العديد من المشاريع الإصلاحية، مثل إنشاء السدود وشق الترع وترميم بعض البنايات ، وبازاء هذه الأوضاع التي سادت العراق، أقدم الشيخ راشد بن مغامس من إعلان ولائه لصالح العثمانيين، ليتم تقسيم العراق إداريا إلى أربع وحدات هي؛الموصل وشهرزور وبغداد والبصرة.
بقي العراق مساحة نزاع دائم بين الطرفين العثماني والصفوي.حتى أن مدار القوة والقدرة العسكرية لكلا الطرفين ،راح يتم قياسه من خلال فرض السيطرة عليه، وعلى هذا قام الشاه عباس باحتلال العراق عام 1623، ليقوم السلطان مراد الرابع باسترجاعه عام 1638، وعلى الرغم من سقوط الدولة الصفوية عام 1722 وظهور نادر شاه الأفشاري، إلا أن الطموح للسيطرة على العراق بقيت ماثلة وحاضرة بذات القوة.
علاقة العثمانيين بالخليج العربي
لم يطل الأمر بالسيطرة العثمانية ، حتى أعلنت قبائل الجنوب في العراق عن إعلان ثورتها، وقد بلغت من القوة أن شارك فيها الوالي راشد من مغامس، مما حدا بالعثمانيين أن يوجهوا حملة عسكرية بقيادة والي بغداد إياس باشا عام 1546، حيث تم له فرض النفوذ والعمل على جعل البصرة قاعدة بحرية لمواجهة النفوذ البرتغالي في الخليج العربي.حيث تم إنشاء أسطول بحري غايته التحرك وفرض النفوذ، إلا أن الأسطول بقي يعاني من الضعف، بسبب سوء الإعداد والسرعة والتقشف في التسليح، وعلى الرغم من كل هذا ، إلا أن العثمانيين تمكنوا من مد نفوذهم على القطيف عام 1550، والأحساء عام 1555، وصاروا بمثابة القاعدة البحرية المتقدمة لمواجهة البرتغاليين، حتى أن العام 1552 قد شهد تحركا للأسطول العثماني بقيادة الرئيس بيري، متحركا من السويس، وقيض له السيطرة على مسقط وحاصر مملكة هرمز لمدة شهر، وعند سماعه لاقتراب نجدات الأسطول البرتغالي من الهند، عمد للتحرك نحو البصرة. ليترك فيها جل سفن أسطوله ، ولم يعد إلا بثلاث سفن وصل بها إلى قاعدته الأساسية في السويس، ومن واقع الخلاف الذي نشب بين بيري ووالي البصرة ، فإنه تعرض للمحاكمة وتم إعدامه في العاصمة استنبول.
في ضوء حصار السفن العثمانية في البصرة ، أصدر السلطان سليمان أوامره إلى مراد بك عام 1553، من أجل مواجهة البرتغاليين، إلا أن هذا الأخير فشل في محاولته، مما جعل السلطان ينتدب الرئيس سيدي علي عام 1554، صاحب الخبرة الطويلة في القتال عند البحر المتوسط، وقد تمكن من الوصول إلى القطيف ومن ثم البحرين، حتى كانت المواجهة مع البرتغاليين عند هرمز ومسقط، ونتيجة للمطاردة العنيفة التي أبداها الأسطول البرتغالي، وسوء الأحوال الجوية والرياح غير المؤاتية، اضطر الرئيس علي أن يتوجه إلى ميناء سورات في الهند ، حيث أقدم على تصفية سفنه من خلال البيع والعودة إلى بلاده عن طريق البر.
النفوذ العثماني في المغرب العربي
فرضت الأحوال السياسية في الغرب الأوربي أثرها على العلاقة بين القوى الإسلامية ، فبعد خروج العرب من الأندلس عام 1492 على يد القوة الإسبانية ، برز الصراع الإسلامي المسيحي في البحر المتوسط، لا سيما في أعقاب المطاردة التي قامت بها القوات الإسبانية بحق العرب الذين لجأوا إلى سواحل المغرب العربي.ومن هذا الواقع فإن عرب الأندلس، لم يجدوا من وسيلة سوى إعلان الجهاد بحق القوة الإسبانية، التي راحت تنكل بمدن السواحل العربية ، فقامت في العام 1505 باقتحام ميناء المرسى الكبير في الجزائر، وعلى حجر باديس عام 1508 ومدينة بجاية عام 1509، فيما كان الهجوم الأشمل والأوسع ، ذلك الذي تعرض له ميناء طرابلس عام 1510، ومن هذا الواقع العسير وجدت دولة الزيانيين نفسها مضطرة إلى دفع الضرائب لصالح الإسبان ، مما فاقم الأوضاع الداخلية ، وجعل من العامة يعلنون العصيان والتمرد ، نتيجة للسياسة الضرائبية التي اعتمدوها، حتى أنهم في النهاية لم يترددوا من توقيع اتفاقية 1512، والتي اعترفوا من خلالها بالسيطرة الإسبانية على السواحل الغربية للجزائر.
لم يكن الضغط الإسباني هو السبب الوحيد الذي ساهم في تفكك العلاقة السياسية في المغرب العربي، بل يعود واقع الحال إلى طبيعة الصراعات المحتدمة التي نشبت بين الدول الرئيسة الثلاث في المنطقة ، وهي؛دولة بنو زيان في الجزائر، دولة بنو مرين في مراكش، والدولة الحفصية في تونس.ومن المفارقات الحادة ، أن النزاع السياسي لم يتوقف على الصراع بين هذه الدول فقط ، بل تخطاه نحو النزاع الداخلي الحاد، حتى غدت المنطقة معبرا سهلا لإمرار النوايا والطموحات الإسبانية.
في ظل الأوضاع المضطربة ، برزت للعيان الجهود التي بذلت من فبل البحارة المسلمين ، وأبرزهم على الإطلاق بابا عروج وخير الدين بربروسا، وهؤلاء تمكنا من الحصول على الدعم والمساعدة من قبل الدولة العثمانية، التي أشارت الظروف إلى تزعمها للعالم الإسلامي في أعقاب الانتصارات التي تحققت لها.ومن هذا فإن الخير الدين وعروج عمدا نحو إنشاء قاعدة بحرية خاصة بهما ، متخذين من جزيرة جربة الواقعة في جنوب تونس إمارة مستقلة منذ العام 1510.وقد بدأت هذه الإمارة نشاطاتها العسكرية البارزة حتى قيض لهم إحراج الأسطول الإسباني في العديد من المواقع البحرية المهمة ، مما حدا بقبائل الجزائر أن يطلبوا المساعدة من عروج في استعادة ميناء بجاية، وبالفعل قيض له أن يحقق هذا المطلب، ليحظى بالسمعة والمكانة العريضة ، حتى أنه نقل قاعدته من جربة ، وحولها نحو ميناء جيجل الواقع في الجزائر.بل أن ملامح القوة والثقة بالنفس بلغت لديه حتى أنه تمكن من صد هجوم إسباني على ميناء الجزائر عام 1516، واستمر في مد نفوذه الذي بلغ تلمسان عاصمة الزيانيين عام 1517، بل وراح ينشر قواته البحرية في العديد من مناطق المغرب.
كان لتوسع النفوذ الذي تحصل عليه بابا عروج، أن اتصل بنو زيان بالإسبان، الذين لم يترددوا من إعداد حملة عسكرية كبيرة ، توجهت نحو تلمسان وحاصرت عروج وقتله في العام 1518.لتنتقل الزعامة إلى خير الدين بارباروسا، الذي سارع نحو الاتصال بالعثمانيين من أجل الحصول على المساعدات المالية وتقديم الإسناد العسكري ، وبالفعل وجه السلطان قوات من رجال الإنكشارية للعمل تحت إمرته، وفتح باب التطوع، ومن هذا التاريخ يكون النفوذ العثماني وقد بدأ بالظهور في المغرب العربي.
في ضوء التحالف الذي نشأ بين العثمانيين وبارباروسا، بدأت تبرز للعيان تحالفات بين القوى المحلية في المغرب العربي، والملك شارل الخامس صاحب الطموحات الإمبراطورية الكبيرة والواسعة.وقد تمكن بارباروسا من جعل مدينة الجزائر قاعدة عسكرية قوية منذ العام 1529، مما حدا بالملك شارل بع اتفاقه مع الحفصيين في السيطرة على مدينة تونس عام 1535، ليتوجه بارباروسا للرد على هذه الحملة بالهجوم على جزر البليار، وعليه قام السلطان سليمان القانوني بمنحه لقب قبودان باشا، ليتوجه نحو تحرير تونس من الإسبان.
بحلول العام 1551 تمكن مراد باشا من تحرير طرابلس من فرسان القديس يوحنا والقوات الإسبانية، وبهذا فإن العثمانيين تمكنوا من جعل المغرب العربي قاعدة لمواجهة النفوذ الأوربي ، بل أن العديد من أمراء الجهاد برزوا في تلك الفترة من أمثال؛الريس صالح ودار غوث وحسن باشا الذي منح لقب بيكلربيك أفريقيا، والعلج علي صاحب الدور البارز في طرد الإسبان من تونس عام 1569 وإنهاء دولة الحفصيين.وبالانتصارات المتكررة التي تحققت للعلج علي، برزت الدعوة من قبل القوى الأوربية نحو التحالف والتعاون من أجل الإبقاء على النفوذ الأوربي في سواحل المغرب العربي، حتى أن البابا أشار إلى أهمية عقد تحالف للقوى المسيحية، حتى تمكنت إسبانيا بموجب هذه الدعوة من تحقيق الانتصار في معركة ليبانتو عام 1571، بل أن وهران بقيت تمثل قاعدة للوجود الإسباني، الذي أعاق توحيد جهود القوى الإسلامية بين الجزائر والمغرب الأقصى.
من واقع استقرار قواعد الجهاد في الجزائر ، فإن ملامح النفوذ كانت قد برزت في تلك المنطقة، حتى العام 1590، حين انفصلت تونس عنها، وحصل حاكمها على لقب الداي، فيما حظيت الجزائر بلقب الباشوية ، ولم يمض طويل من الوقت حتى برزت بعض الأسر الحاكمة؛مثل الحسينية في تونس والقرمنلية في طرابلس، فيما حكم الجزائر رجال البحرية حيث تنوع الحكم فيها نتيجة للظروف المحيطة، فمنذ سيطرة بارباروسا عام 1518 وصولا إلى معركة ليبانتو 1571، عرفت الجزائر نظام البكلربكوات، فيما ظهرت سلطة الأوجاق في الفترة الواقعة بين 1588 –1659، أما الفترة اللاحقة والتي تنتهي عند العام 1671، فقد اضطربت الأحوال ، حتى كان الناس قد تقربوا من سلطة رجال البحر حيث برز لقب الداي، والفترة التي استمرت حتى العام 1830، فقد شهدت نوعا من الاستقرار بين رجال البحر والانكشارية، فيما تحول لقب الداي إلى باشا منذ العام 1710، على الصعيد الإداري تم تقسيم الجزائر إلى ثلاث أقاليم هي؛ قسنطينة ووهران وتيطري، ووضع عليها ملتزمون يقدمون الضريبة السنوية إلى الداي مباشرة.
في تونس برزت حالة التنظيم في أعقاب فتحها على يد سنان باشا عام 1574، وبحلول العام 1590 حصل إبراهيم رودسلي على لقب الداي بإقرار من السلطة العثمانية ليستمر العمل بهذا النظام حتى العام 1640.حتى ظهور الأسرة المرادية التي استمرت حتى العام 1702.فيما برز لقب الباي خلال حكم الأسرة الحسينية، التي تأسست بجهود أحد الضباط الإنكشاريين منذ العام 1705 واستمرت حتى إستقلال تونس عام 1957.
شهدت طرابلس الغرب حالة من الفوضى والتداخل في السلطات والنفوذ خلال الفترة الواقعة بين 1551 والعام1711 ، لا سيما بين الإنكشاريين وطبقة القولوغلية الذين نتجوا عن حالة المصاهرة والزواج الذي تم بين الإنكشارية والسكان المحليين،ومن واقع الصدام الدائر بين النفوذين تعرضت البلاد على حالة من توزيع السلطة بطريقة مربكة ، فقد عمد القولوغلية ونكاية بالإنكشارية إلى تنصيب عمال بسطاء في منصب الولاية كما حدث في الأعوام 1680 عندما تولى إبراهيم الخياط منصب الولاية ، والعام 1700 حيث تولى عثمان القهوجي الولاية ، ومن واقع الصراع الدائر كان الاتفاق بين كبار رجال الولاية من أعيان وسراة وموظفين وانكشارية على أهمية تولي أحمد القرمنلي لمنصب الولاية عام 1711، ليستمر حكم هذه الأسرة حتى العام 1825.
إشارات وإحالات:-
1.فاروق أباظة، الحكم العثماني في اليمن 1872-1918، القاهرة 1975.
2.عبد الفتاح أبو علية، دراسات في تاريخ الجزيرة العربية الحديث والمعاصر، الرياض 1406ه.
3.محمد أنيس ، الدولة العثمانية والشرق العربي، مكتبة الأنجلو مصرية ، القاهرة 1993.
4.نيقولاي ايفانوف، الفتح العثماني للأقطار العربية ، ترجمة يوسف عطا الله، بيروت 1988.
5.مصطفى الخطيب، التنافس الدولي في الخليج العربي، المكتبة العصرية، بيروت 1981.
6.عماد عبد السلام رؤوف، الموصل في العهد العثماني، النجف 1975.
7.ناصر الجدين سعيدوني، والسيخ المهدي بو عبدلي،الجزائر في التاريخ، العهد العثماني، الجزائر 1984.
8.أحمد حسين شرف الدين، اليمن عبر التاريخ من القرن الرابع عشر ق.م إلى القرن العشرين، القاهرة 1963.
9.استيف: الحياة الاقتصادية في مصر في القرن الثامن عشر (النظام المالي والإداري في مصر العثمانية). من مجموعة كتب وصف مصر لعلماء الحملة الفرنسية. ترجمة : زهير الشايب ، ج2 ، ط1 ، مكتبة الخانجي ، القاهرة 1979.
10. محمد أنيس ،الدولة العثمانية والشرق العربي (1514-19149 ،مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1985.
11. عبد الوهاب بكر، الدولة العثمانية ومصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. ط1، دار المعارف، القاهرة 1982.
12. ساطع الحصري، البلاد العربية والدولة العثمانية. ط2، دار العلم للملايين، بيروت 1960.
13. عبد الكريم رافق، العرب والعثمانيون 1516-1916. ط1، دمشق 1974.
14 محمد رفعت رمضان، علي بك الكبير. دار الفكر العربي، القاهرة 1950.
15. أحمد السعيد سليمان، تأصيل ما ورد في تاريخ الجبرتي من الدخيل. دار المعارف، القاهرة 1979.
16.ليلى عبد اللطيف ،الإدارة في مصر في العهد العثماني. مطبعة جامعة عين شمس، القاهرة 1978.
17. أحمد حافظ عوض، فتح مصر الحديث . القاهرة 1926.
18. دانيال كريسيليوس، جذور مصر الحديثة. ترجمة: د. عبد الوهاب بكر، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة 1985.
19. محمد عرابي نخلة، تاريخ العرب الحديث ، منشورات جامعة القدس المفتوحة، عمّان 1998.
20.جلال يحيى، المُجمل في تاريخ مصر الحديثة. المكتب الجامعي الحديث الإسكندرية، بدون تاريخ.




الفصل الثالث
الحركات الانفصالية في العالم العربي إبان السيطرة العثمانية
بين الاستقلال والانفصال ، والحكم الذاتي الخاضع للسيادة العثمانية، والاستقلال التام عن النفوذ، تعالقت العلاقة بين بعض المناطق التابعة للنفوذ العثماني، حتى برزت العديد من الاجتهادات والرؤى والتصورات، لكن الثابت فيها يعود إلى حالة التقاطع التي برزت بين الحاكم والمحكوم، لاسيما على صعيد طريقة الإدارة التي درج عليها الولاة الأتراك ، والذين أسرفوا في محاولة السيطرة وتكريس النفوذ على حساب العامة من الشعب، حتى برزت الرغبة من الناس بأهمية التغيير والخلاص من واقع الهيمنة والمزاجية التي طبعت سياسة الولاة ، وتوجههم نحو الإبقاء على المصالح من خلال المبالغة في فرض الضرائب والسعي نحو البقاء في المناصب الإدارية، من خلال إرضاء السلطة المركزية في الأستانة، ورسم صورة مشرقة للأوضاع على حساب الواقع، و لا يخفى أن العديد من هذه الحركات إنما تعود لدوافع شخصية قوامها تكريس النفوذ ومحاولة الانفراد بالسلطة والحكم وبناء المجد الشخصي لهم.وهذا ما تبدى من قبل الولاة من ذوي الأصول غير التركية على درجة الخصوص وطبيعة النشأة التي درجوا عليها، حيث الشغف بالمغامرة والقدرة على المناورة، والرغبة في اغتنام الفرصة السانحة، لاسيما في الفترات التي تتعرض لها الدولة العثمانية ، إلى الصراع داخل الأسرة الحاكمة، أو الانشغال في الحروب والمنازعات والمناوشات التي ما كانت تعرف الانقطاع أو التوقف.
لقد تنوعت هذه الحركات وتعددت مصادرها ، فما بين توجه صادر من قبل بعض الولاة من ذوي الأصول التركية، والذين رغبوا في الحصول على تثبيت النفوذ والرغبة الجامحة في الإبقاء على وجودهم السياسي من خلال التوريث، والحركات التي برزت بين القبائل العربية التي أحست بحجم العسف والاضطهاد الذي تعرضوا له على يد البعض من الولاة، حتى تداخل فيها سمة الثورة والتمرد وتعزيز مجال المطالبة بالإصلاح والتغيير، ورفع المظالم نحو الحكومة المركزية وتوجيه أنظارها إلى ما يحدث من تقاطعات وتجاوزات وأخطاء.
المعنيون في لبنان
في أعقاب الفتح العثماني لبلاد الشام عام 1516، عمدت الدولة إلى تقسيم المنطقة إلى ثلاث ولايات ؛ الشام ووضع عليها باشا ويكون مقرها دمشق، وحلب والتي شملت شمال الشام ، وطرابلس التي شملت الساحل اللبناني.ومن واقع التنوع الطائفي والديني الذي تميز به جبل لبنان، فإن العديد من الطوائف قد توجهت للاستقرار في المناطق الجبلية، في محاولة لحفظ الكيان والتخلص من الأخطار والمواجهات التي كانت لا تعرف الانقطاع بسبب الصراعات والولاءات والتحريضات التي حاولت العديد من الأطراف استغلالها، وعلى مدى التطورات والتحولات التاريخية التي شهدتها المنطقة، هذا بالإضافة إلى حالة الخصوصية العرقية والدينية والطائفية التي ميزتها، فعلى صعيد العرق نجد الصراع القبلي بين القيسية واليمانية، عرب الشمال والجنوب ، الذي تمت وراثته عن الدولة الأموية ، والصراع المسيحي الإسلامي الذي نجم عن الحروب الصلبيبة، حيث كانت لبنان مركزا من مراكز الصراع المحتدم على مدى الفترة الواقعة بين 1095 و1251، والصراع الطائفي الذي يبرز بين الدروز والسنة في الشمال والشيعة في الجنوب،والاقتتال الطائفي المسيحي بين الأرثوذكس والكاثوليك.ومن هذا الواقع المليء بالتناقضات والتقاطعات ، كان على الدولة العثمانية ، أن تتوجه بحذر ودقة في سبيل وضع نظام خاص ، يتم من خلاله تسيير الأحوال المعقدة والمتداخلة .
تحصل الأمير فخر الدين المعني الأول على منصب الولاية في منطقة جبل لبنان، مقابل أن يقدم فروض الولاء للسادة العثمانية وتقديم الضريبة المالية السنوية، ومن واقع التدخل المباشر من قبل العثمانيين والضغوط التي برزت عنهم ، ظهرت حالة الصراع والتي تفاقمت في التنافس الحاد مع الأمراء الإقطاعيين في المنطقة من آل العساف وآل سيفا، وتزايد الصراع القبلي القيسي الذي تزعمه الأمير فخر الدين، والحشد اليمني الذي تزعمته أسر علم الدين وأرسلان، ومن واقع التحريض والتداخل في المصالح ، بلغ الصراع حد المواجهة المباشرة حتى كانت نهاية الأمير في العام 1544، بعد أن تحالفت القوى الإقطاعية المنافسة في قتله في مدينة دمشق، حيث العداء الطاحن الذي تصاعد مع ولاة دمشق آل سيفا، وعلى الرغم من هذه النهاية إلا أن حالة التواصل في المواجهة استمرت على يد ولده قرقماز الذي عمد على رفع راية العصيان ، مما حدا بالعثمانيين إلى تجريد حملة عسكرية كبيرة توجهت للقضاء على هذه الحركة والتي نتج عنها مقتل قرقماز مع العديد من قادة جبل لبنان، في العام 1585 .
تعد الفترة التي ظهر بها فخر الدين المعني الثاني، في أعقاب مقتل والده قرقاميز، بمثابة النفوذ الحقيقي والكبير للأسرة المعنية، خصوصا وأن الأمير الشاب الذي تولى مقاليد السلطة وهو لم يزل في الثامنة عشر عاما، قد تمكن من بث عيونه وجواسيسه في البلاط العثماني ذاته بالإضافة إلى إدارات الولايات المجاورة والمنافسة له، فيما عمد نحو اعتماد سياسة التوفيق بين المذاهب والطوائف المختلفة ، وعلى الرغم من الطموحات الواسعة والكبيرة التي عنت على هذا الرجل، ومشاركته في بعض الحركات المناوئة للسلطة العثمانية، كالمساندة التي أبداها فخر الدين لصالح جان بلاط الكردي في ثورته ضد العثمانيين عام 1603، إلا أن السلطان كان يتساهل معه كثيرا.ويعود هذا الموقف بناء على الطبيعة المرنة التي برز عليها الأمير حيث عمل جاهدا على إرضاء رغبات السلطان من خلال تقديم الأموال الكبيرة ، وإقراره بأنه سيقدم نصف ما يغنم في جميع حروبه، ومن هذا فإن السلطان غض النظر عن نشاطاته العسكرية والتي بلغ التوسع فيها أن امتدت إلى أجزاء واسعة وكبيرة من سوريا وفلسطين.
لم تتوقف طموحات الأمير على صعيد ترصين قوته الداخلية ، بل راح يتطلع نحو عقد تحالفات خارجية ، مع العديد من القوى الأوربية.مثل إسبانيا والبابا في روما ، بالإضافة إلى دوق توسكانيا، ومن واقع هذا التحالف ملأت الأمير الثقة بالنفس حتى أنه لم يتردد من توجيه قواته للتدخل العسكري المباشر في شؤون الإمارات المجاورة له، مما حدا بالدولة العثمانية للتصدي لهذه الطموحات الكبيرة من خلال الحملة التي قادها أحمد باشا الحافظ، وبمعاونة الأسر الإقطاعية المناوئة له مثل؛ آل فروخ وآل سيفا، بالإضافة إلى القوات التي يقودها الأمير طراباي وقوات من حلب والأناضول،من واقع هذه الحملة الكبيرة ، وجد الأمير أهمية التسلل من قلعة الشوف التي تعرضت للحصار، والذهاب هربا نحو صيدا، والتي غادرها متوجها نحو ميناء ليغورن الواقع ضمن نفوذ دوقية توسكانيا، حيث حلفاؤه من أسرة مديتشي، الذين وصلهم في العام 1613.وليبقى عندهم لمدة خمس سنوات، مخلفا ولده الشاب علي وواضعا عمه الأمير يونس بمثابة الوصي والمستشار له.
في العام 1618 حصل فخر الدين الثاني على عفو سلطاني هيأ له العودة إلى بلاده، ومن هذه العودة شرع الأمير في مشروع البناء والتحديث لميناء بيروت والعناية بالمدينة والنهوض باقتصادياتها، مسترشدا بالنموذج الأوربي، والإيطالي على وجه الخصوص، ومن هذا اجتهد في إرسال البعثات والوفود التعليمية إلى إيطاليا من أجل اكتساب الخبرات والمهارات الفنية.فيما بقي يعلن حالة الرفض للارتباط بالعثمانيين عبر حالة التشديد التي أبداها بازاء بقاء القوات العثمانية على أراضيه، حتى أنه لم يتردد من محاولة توسيع نفوذه في الساحل السوري، في الوقت الذي كانت الدولة العثمانية في أوج صراعاتها مع الدولة الصفوية في العام 1631.ومن هذا التوتر الحاصل بدأت الدولة العثمانية بإرسال حملة بحرية كبيرة عام 1633، تمكنت من تحقيق الانتصار على قوات المعنيين وقتل الأمير علي، والقاء القبض على الأمير فخر الدين الثاني، الذي تم إعدامه في استنبول عام 1635.
فرض العثمانيون سيطرتهم السياسية والعسكرية على لبنان، وعمدوا في العام 1660 إلى إنشاء ولاية رابعة، أطلق عليها ولاية طرابلس اختصت بمتابعة شؤون الدروز والموارنة في جبل لبنان، وعلى الرغم من النهاية العسكرية لإمارة المعنيين، إلا أن نفوذهم بقي في المنطقة حتى العام 1697.لاسيما وأن الصراع اتخذ بعده القبلي بين المعنيين القيسية، وآل علم الدين اليمنية التي نالت الدعم من قبل العثمانيين.
الأسرة الشهابية في لبنان
في العام 1698 برز على المستوى السياسي أمير درزي جديد من آل الشهابي،هو بشير الأول، والذي تمكن من عقد تحالفاته مع ولاية صيدا وطرابلس ، حتى تمكن من السيطرة على ثورة المتاولة التي واجهته في بواكير حكمه.بل أنه راح يوسع من نفوذه السياسي باتجاه فلسطين حيث تمكن من وضع الشيخ ظاهر على صفد، باعتبار انتمائه إلى الفرع القيسي.ولم تتوقف حدة المواجهة بازاء العثمانيين، الذين تمكنوا من تجريد الحملات العسكرية المستمرة، حتى كان العام 1711 والذي شهد نشاطا عسكريا ملحوظا من قبل الشهابيين الذين تمكنوا من القضاء على زعامات آل علم الدين وإخضاع المنطقة لسيطرتهم ، مما حدا بالعثمانيين، إلى التخلي عن فكرة السيطرة المباشرة على المنطقة.
من واقع الانتصارات التي تحققت لحاكم عكا أحمد باشا الجزار، لا يما في صمود قواته بازاء نابليون عام 1799، وجدت الدولة العثمانية أهمية السيطرة على النفوذ المتعاظم لهذا الحاكم المحلي، ومن هذا حرصت للاتصال بالحاكم بشير الثاني لنمنحه السيطرة على البقاع والجبل الشرقي وجبيل وصيدا.ليدب الصراع المحلي الذي استمر حتى وفاة الجزار عام 1804. ليتوسع الشهابي بالحكم ويبدأ مرحلة من البناء والنهوض الاقتصادي والذي تجلى في العديد من مظاهر الاستقرار والنجاحات، ومحاولة التوفيق بين الطوائف المختلفة بين الأديان والمذاهب المنتشرة في المنطقة، إلا أن هذا لم يكن ليمنع من بروز حالة من القسوة بازاء بعض الطوائف.
تعرض حكم بشير الثاني، إلى التنافس الشديد من قبل حاكم عكا الذي تمكن من حشد القوى المختلفة للثورة عليه ، فكان أن توجه الأمير هاربا إلى مصر عام 1822، لينتهي دور الأسرة الشهابية ويبرز دور أسرة جنبلاط في تزعم الدروز في المنطقة.
المماليك في العراق
بتعيين حسن باشا على باشوية بغداد عام 1704، تكون مرحلة من الاستقرار قد برزت للعيان في إقليم العراق، حيث تمكن هذا الباشا من السيطرة على تحركات القبائل العربية ، التي لم تنقطع الثورات بينها.ومن هذا فإن الدولة العثمانية وجدت ضالتها في هذا الرجل معتبرين إياه من وسائل دعم النفوذ والاستقرار في المنطقة ، وعلى الرغم من حالة الانفصال التي كان ينشدها ولاة الموصل والبصرة في الكير من الأحيان ، إلا أن النفوذ الأوسع كان لحسن باشا وولده أحمد باشا الذي جاء للباشوية عام 1734، في أعقاب وفاة والده.وقد قيض لأسرة حسن من اتخاذ قوة عسكرية جديدة ، قامت على أكتاف جهود المماليك الذين غدوا القوة الضاربة ، غبر التسليح والتدريب والانضباط العالي الذي برزوا عليه.بل أن النفوذ الذي تحصل عليه المماليك جعل من أحمد باشا يتخذ من قائد المماليك سليمان آغا نائبا له في تنظيم شؤون الولاية، ويعمد إلى تزويجه ابنته.
في الوقت الذي توجه سليمان آغا نحو البصرة للقيام بحملة عسكرية ، توفي أحمد باشا عام 1747، مما حدا بالسلطان العثماني ، إلى تعيين وال جديد على العراق، إلا أن المماليك رفضوا الانصياع لهذا الأمر، بل أن سليمان أرسل الهدايا الثمينة إلى السلطان ، وطالبه بالإبقاء عليه في هذا المنصب ، الذي يعني استمرار السيطرة على الأوضاع المضطربة في العراق ، لا سيما وأن دواعي الاستقرار بين العثمانيين والفرس تستدعي وجود قوة عسكرية مؤهلة لفرض السيطرة وضمان الإبقاء على المعاهدة التي تم توقيعها بين الطرفين ، ومن هذا أقر السلطان بولاية سليمان آغا على ولاية العراق عام 1749، حيث بدأت أسرة المماليك بالظهور حتى نهايتها عام 1831 خلال عهد داود باشا.وإذا كانت الدولة العثمانية قد أصدرت المراسيم والفرمانات حول حكم المماليك ، إلا أن هذا الأمر لم يكن ليمنعهم من القضاء على حكمهم في العديد من المناسبات، إلى الحد الذي تدخلت بعض القوى الأجنبية في تثبيت حكمهم، لا سيما الدور الذي لعبته شركة الهند الشرقية في تركيز حكم سليمان باشا الكبير خلال الفترة 1780- 1802.والتي لم تتردد من تقديم الدعم العسكري ومحاولة تثبيت نفوذ المماليك في المنطقة، في محاولة منها لإضعاف السلطة المركزية للعثمانيين.
أبرزت دولة المماليك شخصية قيادية بارزة ، تمثلت في داود باشا ذلك المملوك الذي جيء به من جورجيا،ليشتريه سليمان باشا الكبير الذي وجد فيه نبوغا وقدرات خاصة ومواهب جمة ، حتى لم يتردد من تزويجه ابنته له،لكن داود تعرض للنكبة في أعقاب وفاة سليمان، لكنه من واقع ملكاته الشخصية وقدرته على التأقلم مع مختلف الظروف ، قيض له أن يتمكن من حشد الجهود ليرقى نحو منصب الولاية خلال الفترة 1817- 1831.وهكذا جاء داود معاصرا لحكم محمد علي باشا في مصر ، حتى أشار المؤرخون إلى محاولاته الدائبة نحو تقليد باشا مصر في مختلف الفعاليات والشؤون.لاسيما على صعيد بناء السلطة المستقلة عن العثمانيين، والتطلع نحو توسيع مشروع التحديث في بناء الدولة ، وعلى مختلف المجالات التنظيمية والإدارية والسياسية والاقتصادية والعسكرية.ومن هذا راح يوسع مجال الاحتكار التجاري في سبيل السيطرة على الموارد المالية وتركيزها في يده، بل أن شغف في تطوير المحاصيل الزراعية وعمل على تشجيع التجديد والتطوير ، وعلى الرغم من الطموحات الواسعة التي عنت عليه ، إلا أن الصراع المرير والشديد الذي خاضه ضد القبائل العربية والكردية ، كان له الأثر المباشر في جر الصراعات المحلية والخارجية ، لا سيما في مجال الصراع مع فارس التي وجدت في نشاطاته بازاء القبائل الكردية تدخلا في نفوذها في المنطقة.ولم يوقف هذا التوتر إلا توقيع معاهدة أرضروم عام 1823، بين الطرفين.
طموحات الاستقلال التي كانت تعن على داود باشا جعلته يضيق ذرعا بالتدخلات البريطانية في شؤون ولايته، حتى كان التوتر الذي ساد بينهما.فيما توافق إصدار قار العثمانيين بحل القوات الانكشارية عام 1826، أن توجه داود نحو إنشاء قوات عسكرية جديدة، رفض الإنكليز تقديم يد المساعدة في تدريبها وتسليحها، مما حدا به، أن يستقدم ضابطا فرنسيا للإشراف على التدريب، وآخر سويسري وظيفته الإشراف على مصانع السلاح.وعلى الرغم من الخلاف الذي بدر بين الإنكليز وداود باشا ، إلا أن هذا لم يمنع من وصول البعض من خبراء النقل الملاحي الإنكليز، من أجل دراسة نهري دجلة والفرات وامكانية توسيع النقل البخاري فيهما.
كان لهزيمة العثمانيين بازاء الجيش الروسي 1829 أثره في تقريب نهاية حكم المماليك في العراق.إذ كان لغرامة الحرب الكبيرة أن طلب السلطان محمود الثاني أن يساهم باشوات الأقاليم في دفع الغرامة ، إلا أن تعرض رسول السلطان إلى القتل عام 1830 جعل من السلطان أن يوجه أوامره نحو علي رضا باشا والي حلب بأهمية الزحف نحو بغداد عام 1831، وتوافق أن تعرضت المدينة إلى انتشار وباء الطاعون وتفاقم أحوال فيضان نهر دجلة وزحف القبائل البدوية عليها ، وانتشار أعمال السلب والنهب، وتعرض الوالي للمرض، أن تمكنت القوات الزاحفة من السيطرة على بغداد وأسر الوالي، الذي طلب من السلطان الصفح وقضاء ما تبقى له من عمره للعمل شيخا في الحرم النبوي، حتى وفاته عام 1851.
الأسرة الحسينية في تونس
برزت هذه الأسرة من واقع الجهود التي بذلها حسين بن علي منذ العام 1710. وقد تطلع هذا الوالي نحو تركيز الحكم في عائلته عبر ترسيخ النظام الوراثي فيها، فيما حرص على تكريس الاستقلال للولاية عبر منع التدخل الجزائري أو الأوربي في شؤونها الداخلية.وكان للطموحات الواسعة والكبيرة لهذا الوالي، أن غدت تونس في عهده مجالا رحبا للنشاط العمراني والإداري والتجاري، حتى توجه نحو عقد المعاهدات مع العديد من القوى الأوربية ، من دون تقديم التنازلات لها.ولم تختلف سيرة الولاة الذين جاءوا من بعده، حيث تمكن الوالي علي بك1729-1782 من عقد معاهدات سلام مع إنكلترا وفرنسا، فيما تمكن الوالي حمودة بك 1782-1814من القضاء على نفوذ القوات الانكشارية التي فرضت نفوذها على الولاية.وحرص على استقلال الولاية التونسية من حالة التبعية والارتباط بالنفوذ الجزائري.
الفترة الحرجة والتعقد السياسي كان من نصيب الفترة التي تولى فيها الباي حسين 1824-1835، حيث برزت في تلك الحقبة المزيد من الإشكاليات، مثل التنافس الإنكليزي – الفرنسي من أجل السيطرة على تونس، مما حدا بالباي أن يتقرب من السلطان العثماني، وعلى هذا فإنه لم يتردد من المشاركة في معركة نافارينو البحرية بين التحالف الذي ضم روسيا وبريطانيا وفرنسا من جهة والعثمانيين والمصريين من جهة أخرى. وكانت هذه المعركة قد جرت على الأراضي اليونانية ، والتي انتهت بهزيمة الأسطول العثماني في اليونان.ومن هذا الواقع المرتبك ، وجد الباي نفسه مضطرا للسكوت بازاء الغزو الفرنسي للجزائر عام 1830.
على الرغم من الأوضاع الدولية المرتبكة والضغوط الاستعمارية التي مورست من قبل القوى الأوربية ، إلا أن الباي أحمد 1837- 1855، ظل على ولائه وارتباطه بالدولة العثمانية ، مع أهمية الإبقاء على الاستقلال الذاتي،لكن الخسارة التي تعرض لها الأسطول التونسي والأزمة المالية الخانقة التي تعرضت لها البلاد، جعلت من تونس مرتعا للمصالح البريطانية والفرنسية.فيما شهد عهد الباي محمد الصادق نفوذا فرنسيا وإيطاليا متعاظما، أما نهاية الأسرة فكانت في عهد الباي محمود الذي جاء إلى الحكم عام 1864، لتبدأ مظاهر الأزمة المالية الخانقة ، مما فتح الباي لتدخل الفرنسيين والإنكليز، لتعقبه في النهاية عملية الاحتلال الفرنسي لتونس عام 1881.
قيض للأسرة الحسينية من تأسيس نظام إداري ومالي، قائم على الحكم الذاتي، لكن هذا الحكم كان يعترف بشرعية الانتماء لزعامة الدولة العثمانية، وبالمقابل سمح العثمانيون لهم بعقد المعاهدات والاتفاقيات، ومن واقع الانفتاح الذي مارسته هذه الأسرة على الرأسمال الأجنبي، وما جنته من مشاريع وتوظيف للأموال في البداية ، جعل من هؤلاء الأجانب أحد الأسباب الرئيسة في سقوط هذه الأسرة ، لا سيما بعد أن قوي نفوذها وراحت تتهرب من دفع الضرائب والمستحقات المالية المترتبة بحقها، بل أنها عمدت نحو الاستقواء بالقناصل وسفراء الدول الكبرى، حتى غدوا عبئا على المصالح الوطنية ومثلوا إنهاكا للقدرات والإمكانات المتاحة.
الأسرة القرمنلية
كان للضعف الذي دب في أوصال الدولة العثمانية، أن راحت الفتن والصراعات تنشب بين الزعامات المحلية في العديد من الأقاليم، حتى شهدت ولاية طرابلس الغرب حالة من الفوضى والاضطراب الذي هدد الاستقرار في الولاية، حيث تصادمت مصالح الباشا والجنود الانكشارية والقولوغلية، هذه الفئة التي تمكنت من عقد التحالف مع السكان المحليين من خلال المصاهرة وعلاقة النسب ، فشكلوا ضغطا له تأثيره الشديد على الباشا. ومن واقع المصاهرة التي توفرت لأحمد القرمنلي، وتوليه لمنصب حبي المنشية الواقع على ساحل طرابلس، تمكن هذا الرجل من حشد الأتباع والتأثير في نفوس الجماهير، تحت دعوى زهده بالسلطة وتعففه عن الدخول في الصراعات التي تخوض فيها مختلف الأطراف، ومن هذا فإنه راح يوطد علاقته مع الوجهاء والسراة وكبار التجار، وضباط الإنكشارية، حتى اجتمعت كلمة هؤلاء جميعا لتوليه منصب الولاية
استهل القرمنلي فترة حكمه بمذبحة دبرها بحق الإنكشارية، الذين دعموه وأوصلوه إلى سدة الحكم، وبدم بارد عمد إلى قتل ثلاثمائة منهم في ليلة واحدة ، فيما تعرض الوجهاء والأعيان الذين ساندوه إلى الإهمال والعسف الشديد ، وبهذا فإنه عمل على تأسيس حكم مطلق، توجه من خلاله نحو قمع التمردات والحركات التي برزت ضده في العديد من المدن الليبية مثل تاجوراء وترهونة ومسلاته.أما على صعيد شرعية حكمه ، فقد بقيت معاناته بارزة ، حيث حارب الوالي خليل باشا، المعين من قبل السلطان، فقد تمكن عام 1711 من مقارعته والانتصار عليه في معركة صبراتة.بعدها تطلع نحو إرضاء السلطان بمختلف الوسائل ، حيث لم يتردد من إعلان مظاهر البهجة والفرح بالانتصار الذي تحقق للعثمانيين على الجيش الروسي، بالإضافة إلى إرساله الهدايا الثمينة للبلاد العثماني، والاستقبال الحار والدافئ لمبعوث السلطان الذي جاء على رأس هيئة تحقيقية للبحث في موضوع مقتل خليل باشا.ولم يكتف القرمنلي بهذا بل حرص على إرسال الهدايا والوفود من أجل إصدار فرمان تثبيته على ولاية طرابلس، ومن هذا الواقع المليء بالصراعات ولتنافس الدولي الخطير ، وجد السلطان أحمد الثالث نفسه مضطرا لإصدار قرار تولية القرمنلي على طرابلس، الأمر الذي جعل الأخير يتطلع نحو تثبيت نفوذه بكل ما أوتي من قوة ، عبر سلسلة من الفعاليات البحرية ، إلى الحد الذي أرغم السفن البريطانية والهولندية على دفع الجزية، حيث دفعت هذه الدول الغرامات، مضطرة في سبيل تجب حروب فرعية، قد تعطل غاياتها الكبرى في المنطقة.
كان للفعاليات البحرية أثرها في تمكن القرمنلي من الحصول على الغنائم والمكاسب المادية الكبيرة ، بل أن القوة التي برز عليها الأسطول الليبي، ساهمت في درء الخطر الأوربي عن الولاية، فيما راح يتوسع بنفوذه على مجمل مناطق الداخل ، ليصل به إلى فزان، ومنها كان الفتح الأكبر لطرق التجارة البرية مع الداخل الأفريقي، حيث ازدهرت طرق التجارة الثلاثة، والتي راحت تنشط بين فزان وبحيرة تشاد، وطريق غدامس إلى تمبكتو، وطريق الكفرة إلى دار فور.ومن هذا النشاط التجاري الدافق ، قيض للولاية من الحصول على الموارد المالية الكبيرة والتي كان لها الأثر الأبرز في تنامي النشاط العمراني، وإنشاء القلاع والحصون، وتنظيم الميناء وتوسعته، ودعم الإدارة وتنظيم شؤون السياسة.
في أعقاب وفاة القرمنلي عام 1745، جاء ولده محمد إلى سدة الحكم،حيث ورث حكما مستقرا وخزينة مالية منتعشة ، ونفوذ بحري كبير تم فرضه على القوى الأوربية التي حرصت على إرضائه وتقديم الجزية له ، في سبيل الحفاظ على سفنها من الهجمات المحتملة لأسطوله القوي في البحر المتوسط. ومن هذا الواقع نجد أن معظم القوى الأوربية قد حرصت على توقيع المعاهدات ، فكانت مع النمسا عام 1749، وإنكلترا عام 1751، وفرنسا عام 1752.وقد قيض لمحمد القرمنلي من إجادة دفة الصراع مع هذه القوى بحنكة وحكمة، حتى استطاع أن ينال تقديرهم جميعا.بل أن الإنكليز وعلى الرغم من سمعتهم البحرية الواسعة والكبيرة ، حرصوا على توقيع المعاهدة مع القرمنليين، بعد ما عانوه من مآزق ومشكلات من أمراء البحر القرمنلي.هذا مع أهمية أن المعاهدات تلك كانت تتم بموجهات قرمنلية خاصة من دون أن يكون للعثمانيين أي تدخل فيها.
حرص قناصل الدول الأوربية على زيارات المجاملة لديوان الباشا، من أجل تجنب هجمات الأسطول لسفنهم في البحر المتوسط، وقد توجه الباشا نحو التهدئة لا سيما فيما يتعلق بسفن الدول الكبرى ، التي من الممكن أن تشكل خطرا على حكمه. لكن رجال البحر من الألبان والأرناؤوط حرصوا على استمرار فعاليات الهجوم باعتباره جهادا ضد القوى الصليبية.وعلى الرغم من قوة السلطة وقدرتها الحربية الكبيرة ، إلا أن هذا لم يمنع من ظهور العديد من الثورات في مدن درنة وغريان، مما حدا بالباشا أن يجند جيشا انكشاريا استقدمه من مدينة أزمير التركية.
تعد فترة حكم علي القرمنلي التي بدأت عام 1745، مفتتحا للضعف والوهن الذي حل بهذه الأسرة، إذ استطاع رجال الانكشارية من السيطرة والتحكم بالباشا قليل الخبرة،وتعرضت العلاقة مع القوى الأوربية إلى التوتر حتى أن هذه القوى لم تتردد من قصف مدينة طرابلس وتدمير أجزاء كبيرة منها. ونتيجة لانتشار المجاعة عام 1767، فإن الفوضى قد دبت بالبلاد حتى برزت الفتن والتمردات في مختلف المناطق.ليكون التوجه من قبل الحكومة نحو الإفراط في تحصيل الضرائب بطريقة قوامها التعسف والاضطهاد.ولم يطل الأمر حتى تعرضت الولاية لمرض الطاعون الذي حصد الأرواح الكثيرة من سكان المنطقة ، ومن هذا الواقع المزري راح الناس يهاجرون نحو تونس ومصر ، فيما تنادى الناس بأهمية تدخل الحكومة العثمانية لإنقاذ البلاد م الفوضى التي حلت عليهم.حتى وصل إلى الولاية علي برغل باشا حاملا فرمان تنصيبه عام 1793، وما أن وصل حتى هرب القرمنليون إلى تونس، ليبدأ التنكيل والاضطهاد بالعامة.فيما تعرضت العلاقة مع القناصل الأوربيين إلى التوتر، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل سارع تأزم العلاقة مع تونس، مما حدا بحمودة باشا إلى تقديم العون للقرمنليين من أجل العودة إلى ولايتهم عام 1795.
لم تستقر أوضاع القرمنليين في الولاية، فقد شهدت فترة الأربعين عاما اللاحقة من 1795 – 1835 وهو عام نهاية ولايتهم، أي استقرار أو هدوء، بل أضيفت مشكلات من نوع القتال بين الأشقاء داخل البيت الحاكم، واستمرار الفتن والثورات والصدامات، وثورات القبائل العربية ، وصراعات الانكشارية وتنامي أطماع القوى الأوربية. والمجاعات والأمراض التي راحت تجتاح البلاد والغلاء وفرض الضرائب المبالغ فيها.حتى دخلت البلاد في حرب أهلية دامت عامين، لم تنته إلا بوصول نجيب باشا عام 1835، حاملا معه أمر تنصيبه واليا على طرابلس.
آل العظم في سوريا
احتلت ولاية سوريا أهمية بالغة بالنسبة للدولة العثمانية ، حيث القرب من مركز السلطنة ، وأهمية موقعها بالنسبة لطريق الحج، وما يفرضه هذا الموقع من علاقة بالطابع الديني الذي حاولت الدولة إبرازها، لا سيما على صعيد زعامة العالم الإسلامي. ومن واقع الاضطراب والصراع الشديد الذي برز في منطقة الشام، عمد السلطان العثماني نحو البحث عن وال يحتل المكانة والحظوة التي تؤهله للحفاظ على الأمن والاستقرار، وقد وجد ضالته في آل العظم، بوصفهم أسرة تحتل المكانة الاحترام من قبل أبناء المنطقة.لكن المحاذير بقيت تعتمل في رأس السلطان ، لا سيما على صعيد الخوف من توسع النفوذ والعمل على الاستقلال والبحث عن التوريث داخل نطاق الأسرة الواحدة.
كان اختيار آل العظم موفقا، حيث تم لهم النجاح في مهمتهم التي انتدبوا لها.لكن الملاحظة الأهم تبقى مركزة حول نفوذهم الذي جاء متقطعا وغير متواصل، بل أن طريقة استدعائهم كثيرا ما كانت تتم وفقا للظروف المحيطة، وعلى هذا فإن نفوذ هذه الأسرة بقي يسوده الارتباك، لكن هذا لم يمنع من بروز الطموح نحو إنشاء كيان سياسي خاص يتمتع بالاستقلال الذاتي عن السلطنة.
ظهر إسماعيل آل العظم كأول باشا لولاية دمشق عام 1724، بعد أن تم انتدابه من ولاية صيدا، وبعد أن تحقق له زرع الاستقرار من خلال الجهود التي بذلها جنوده من المغاربة والبوسنة، لم يتردد السلطان من تنحيته من المنصب عام 1730، خشية من تعاظم النفوذ.بعد ذلك التاريخ عادت الحاجة للاستعانة بآل العظم للفترة الواقع من 1732 وحتى العام 1756. والتي توالى فيها كل من سليمان العظم وأسعد باشا الذي شهد عهده صراعا شديدا بين اليردلية والدروز،بل وتمكن من السيطرة على ولاية حلب، ومن واقع هذا الصراع تعرضت الولاية للإنهاك والوهن، حتى قيض لوالي صيدا من السيطرة على دمشق وطرد الوالي عام 1756.
تجددت حالة الصدام في الولاية وبرز الاضطراب والفوضى، حتى تم استدعاء وال من آل العظم ، هو عثمان باشا عام 1761، ليبرز الصراع هذه المرة بين القابيقول واليردلية، فيما غدت قوافل الحج عرضة للغارات من قبل القبائل القاطنة على طول الطريق.بل أن عثمان باشا فشل في صد الهجوم الذي قام به تحالف جيش محمد على باشا والشيخ ظاهر العمر، والذي أسفر عن دخول دمشق عام 1771.مما حدا بالعثمانيين إلى عزله من الولاية.والواقع أن العودة لآل العظم تجددت مرة أخرى حين تم تعيين محمد باشا عام 1778، وهو آخر باشوات العظم في دمشق، حيث تمكن من نشر الأمن والاستقرار وحظي بالمكانة المميزة في نفوس العامة، نتيجة لسيرته الطيبة بينهم.
حركة ظاهر العمر في فلسطين
تمكن الشيخ ظاهر العمر من الوصول إلى حكم طبرية عام 1733، باعتباره ملتزما لوالي صيدا. وقد استطاع بفعل حنكته وسيرته العطرة أن ينال التقدير والمكانة الأثيرة لدى السكان، حيث تمكن من توفير الأمن من غارات القبائل البدوية ، حتى راحت المناطق المجاورة لطبرية تطالب بالانضمام إلى حكمه. وقد توسعت سمعته القائمة على العدل والتسامح أن راحت الوفود توجه إليه في سبيل حل المنازعات التي تحدث بين الأطراف المتنازعة، وعلى هذا برزت حالة العداء من قبل الملتزمين والباشوات، الذين راحوا يكيدون لظاهر في سبيل الخلاص منه
قيض لظاهر أن يبني نفوذه بناء على الجدية والمتابعة الدقيقة ، حتى راح يخضع العديد من المناطق وفقا لأسلوب الترغيب والترهيب،حتى تمكن من مد نفوذه على صفد عام 1739.ولم يفت عليه أن يؤكد هذا الارتباط عبر الحصول على موافقات والي صيدا، بعدها تطلع نحو مد نفوذه على منطقة المتاولة الواقعة بين الشوف وصفد، حتى حصل عليها عم 1742.ومن هذه الحركة الدائبة ، بات الشيخ ظاهر واعيا إلى أنه قد لفت الأنظار إليه وعلى هذا استعد للمواجهة القادمة مع العثمانيين.
وجه الشيخ ظاهر عينه نحو أهمية السيطرة على عكا، باعتبارها الميناء الذي يمكن من خلالها مواجهة اعتداءات المالطيين التي تكررت على سواحل المنطقة.وعلى الرغم من الأموال الطائلة التي قدمها الشيخ ظاهر لصالح والي صيدا، إلا أن هذا الأخير رفض طلبه ، تحت تسيد فكرة الخشية من تعاظم نفوذه.لكن إصرار الشيخ على الاستمرار في مشروعه لم يتوقف أو ينقطع، انطلاقا من الوعي بطبيعة العلاقات السائدة، حيث توجه الدولة العثمانية نحو العناية بأموال الضريبة التي تدخل الخزينة.وحالة البحث عن السيادة، وطريقة نظر السلطة المركزية إلى مسألة السيادة والتبعية والولاء،بالإضافة إلى طريقة استرضاء أصحاب النفوذ المحلي من ولاة وملتزمين ، وطريقة التعامل معهم وفق المتغيرات التي يمكن أن تبرز في المنطقة، وعبر هذه الإستراتيجية راح الشيخ العمر، يترسم خطواته حتى وجه قواته نحو احتلال عكا عام 1744، والتي جعل منها مقرا لحكمه. ولم يتوقف عند هذا التحرك، بل واصل جهوده الرامية نحو التوسع حتى بلغ نفوذه مدن الناصرة وحيفا، ومن هذا بدأت ملامح الخشية تبدر عن والي صيدا، الذي راح يحرض والي الشام من أجل شن الهجوم عليه.حتى تم فرض الحصار على طبرية والذي دام ستة شهور.ليتحول هذا الحصار إلى نصر مؤزر تحقق للعمر، الذي استثمر الفوز وتوجه نحو احتلال صيدا، ليرسل إلى السلطان الهدايا الثمينة ورسائل الولاء ولتبعية من أجل الحصول على الموافقة الرسمية من أجل تثبيته على الولاية.
لم يركن الشيخ إلى هذه الموافقة التي صدرت عن العثمانيين، حيث أحس بالامتعاض الصادر من قبل العثمانيين، لا سيما وأن الولاية جاءت بحد السيف والقوة ، ومن هذا لم يتردد من نقل مقر جكمه نحو عكا، والتي عمل على تحصينها وتدعيم دفاعاتها، ولقد كشفت الوقائع صدق حدس الشيخ، إذ عمد السلطان نحو توجيه والي دمشق عثمان باشا، لاستعادة ولاية صيدا من يد العمر. ومن هذا برز التحالف الذي ضم، الباشوات عثمان ودرويش ومحمد ووالي حلب وأمير الدروز.وعلى الرغم من سعة حجم هذا التحالف، إلا أن ظاهر العمر تمكن من تحقيق النصر المؤزر، وتوسيع نفوذه على حساب صيدا ويافا والقدس والخليل، ولم يغب على العمر ، أن يتوجه نحو الحصول على موافقة السلطان التي عززها بالهدايا الثمينة والأموال الغزيرة.
مثل العداء للدولة العثمانية عاملا مشتركا بين السيخ ظاهر العمر وعلي بك الكبير في مصر، وقد سعى العمر نحو توطيد أواصر العلاقة حتى أن علي بك لم يتردد من تنبيه الشيخ من التحالفات التي تعقدها السلطنة ضده ، واستعداده الدائم نحو تقديم الدعم والمساندة له.وبالفعل لم يتردد العمر من طلب المساعدة، عندما بدأ زحف عثمان باشا نحو مدن يافا والقدس والخليل،حتى وصله أربعة آلاف مقاتل وضعوا تحت تصرفه. ومن هذا عمد عثمان باشا إلى الانسحاب بعد أن عرف مدى القوة التي سيواجهها.لتبرز للعيان انقسام المنطقة إلى تحالفين ، شامي عثماني، مقابل تحالف فلسطيني مصري.
من واقع حالة التوتر التي راحت تتوسع بين الأطراف ، حرص علي بك نحو تجريد حملة عسكرية بقيادة محمد بك أبو الذهب، والذي تمكن من دخول دمشق عام 1772، ومن واقع هذا الانتصار لم يتردد أبو الذهب من إعلان الثورة ضد علي بك الذي تعرض للقتل في معركة الصالحية عام 1773.أما الشيخ العمر فلم يتوقف نشاطه العسكري، إذ سارع نحو توجيه قواته باتجاه بيروت حيث تمكن من طرد أحمد باشا الجزار منها ، بعد أن تلقى الدعم البحري من القوات الروسية. ولم يطل الأمر بالتحالفات التي سرعان ما تغيرت في أعقاب النصر الذي تحقق لأبي الذهب، حيث برز التحالف العثماني المصري، والذي مهد لسيطرة أبو الذهب على أجزاء من إمارة الشيخ ظاهر، فيما توجهت حملة عسكرية عثمانية تحت زعامة قبطان باشا حيث تم دخول عكا وقتل الشيخ ظاهر العمر في العام 1775.
علي بك الكبير في مصر
نشأ علي بك القازدغلي مملوكا لدى إبراهيم كتخدا، الذي رعاه وأنشأه تحت رعايته، ليتسلم منصب قائد في الجيش المملوكي بعد وفاة سيده عام 1755، فيما تحصل على منصب أمير الحج المصري وشيخ البلد منذ العام 1763. ومن واقع النشأة التي قامت على التنافس والصراع المحتدم، برزت النزعة الطموحة لديه، والتي تم التعبير عنها في قسوته الشديدة بازاء منافسيه وطموحاته الكبيرة التي ما عرفت الحدود أو التوقف.بل أنه لم يتردد من توجيه أمواله التي تحصل عليها نحو شراء المماليك، جاعلا منهم بمثابة الفرقة العسكرية التي تنفذ له مهام القضاء عل المنافسين وتوسيع النفوذ. ولم يتوقف أمر طموجه على الرغبة الشخصية فقط بل دعمها، بالتوجه نحو متابعة سير أبطال المماليك ، جاعلا منهم مثلا أعلى له.ولقد جر عليه طموحه الواسع المزيد من الأعداء، حتى اضطر للتوجه نحو المناطق البعيدة خارج القاهرة، إن كان في الصعيد أو الحجاز أو الشام.لكنه تمكن من العودة إلى القاهرة عام 1765، حيث تسلم مشيخة البلد، حتى كان توجهه نحو التخلص من منافسه اللدود عبد الرحمن كتخدا، والذي نفي إلى الحجاز، لتبدأ موجة من الصراعات بين أصحاب النفوذ، لكن المبادرة بقيت بيده، حيث توجه نحو تصفية الأعداء من خلال ممارسة النفي والقتل، بل ومصادرة الأموال، جاعلا من مملوكيه محمد بك أبو الذهب وأحمد لجزار، بمثابة اليد المنفذة لرغباته وخططه التي لاتعرف الهدوء أو السكون.
لم يتردد علي بك الكبير من توجيه جهوده نحو السيطرة على الوجه البحري،حتى تم القضاء على التحالف البحري الذي تم بين عرب الحبايبة والهنادي والصوالحة، فيما توجه نحو السيطرة على الوجه القبلي، حيث جرد حملة عسكرية بقيادة محمد بك أبو الذهب، حيث جرت معركة أسيوط عام 1769، والتي انتهت بفرض سيطرة علي بك الكبير على مجمل الأراضي المصرية.والواقع أن العلاقة مع الدولة العثمانية كانت تقوم على الشك والتوتر،حتى أن علي بك لم يتردد من عزل محمد راقم باشا، الذي عمل جاهدا نحو تقليص نفوذ علي بك.مستغلا الموقف الذي تعرضت له الدولة العثماني، خلال نزاعها مع روسيا القيصرية.وعلى الرغم من الانتصار الذي تحقق له ، إلا أنه لم يتردد من إرسال الهدايا الثمينة إلى السلطان العثماني، طالبا منه تثبيته على مصر والشام.
كان للتوجه نحو توسيع الجيش في مصر ، أن عمدت الدولة العثمانية إلى إرسال بعض رجالها من أجل اغتيال علي بك، وعليه لم يتردد هذا الأخير عن استثمار هذا الموقف وجعله يصب في خدمته، حيث سعى نحو تحريض المماليك ضد الدولة العثمانية، مشيرا إلى الخطة التي تروم القضاء على المماليك في مصر، ومن هذا لم يتردد من إعلان الاستقلال عام 1769، والذي تمثل في العديد من المظاهر، حيث قطع إرسال الضريبة السنوية، وسك النقود باسمه وعمل على نفي موظفي الدولة العثمانية خارج مصر، وتوجه نحو تركيز نفوذه في الحجاز، حتى حظي بالدعاء له في منابر الحجاز منذ العام 1770.بعد أن عمل على استغلال الصراع الذي برز بين أسرة أشراف مكة، ليقف إلى جانب الشريف عبد الله.
عمد علي بك نحو تجهيز حملة عسكرية عام 1770، هدفها السيطرة على الشام، حيث كلف محمد بك أبو الذهب بقيادتها، وما أن وصل الشام حتى لقي الدعم والمساندة من قبل الشيخ ظاهر العمر، لتتم السيطرة على مدن غزة ويافا ونابلس واللد والرملة وصيدا ودمشق التي سقطت عام 1771.ليعود أبو الذهب نحو مصر ليعلن راية العصيان ضد علي بك، هذا الأخير الذي قرر الانسحاب نحو عكا حيث حليفه ظاهر العمر، وبعد تجهيز حملة عسكرية تمت بمعونة الشيخ العمر والأسطول الروسي في البحر المتوسط، لتصل الحملة إلى مصر عام 1773، حيث التقى الجيشان، ويتعرض علي بك إلى القتل، لترسل الدولة العثمانية خليل باشا إلى مصر باعتباره الوالي الرسمي ، لكن الوقائع كانت تشير إلى خضوعه للنفوذ الواسع الذي تحصل عليه محمد أبو الذهب.
إشارات وإحالات:-
1.البرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة 1798- 1939، ترجمة كريم عزقول، دار النهار، بيرون 1977.
2.نيقولاي إيفانوف، الفتح العثماني للأقطار العربية، ترجمة يوسف عطا الله، بيروت 1988.
3.الكسندر آداموف، ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها، ترجمة هاشم صالح التكريتي، مركز دراسات الخليج العربي،البصرة 1982.
4.عبد الفتاح أبو علية، دراسات في تاريخ الجزيرة العربية الحديث والمعاصر، الرياض 1406ه.
5.أحمد مصطفى أبو حاكمة ، محاضرات في تاريخ شرقي الجزيرة العربية في العصور الحديثة، معهد البحوث والدراسات العربية ، القاهرة 1968.
6.فيليب حتي، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، ترجمة كمال اليازجي، بيروت 1959.
7.نوفان رجا الحمود، العسكر في بلاد الشام في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بيروت 1981.
8.عبد الوهاب بكر، الدولة العثمانية ومصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، القاهرة 1982.
9.سيار الجميل، تكوين العرب الحديث 1516-1916، جامعة الموصل، الموصل 1991.
10.أحمد صدقي الدجاني، أحاديث عن تاريخ ليبيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، طرابلس 1968.
11. Allen, problems of Turkish power in sixteenth century , London 1963.





الفصل الرابع
حركات الإصلاح الديني في العالم العربي
في أعقاب ما تعرض له العالم العربي من تفكك سياسي، وخراب اقتصادي، أن وهنت عرى العلاقات الاجتماعية وضعف النشاط الثقافي، ومن واقع الركود والهزال والتداعي، تعرض الدين الإسلامي إلى المزيد من زحف الخرافات والممارسات الشاذة، فيما انتشر في الربوع الإسلامية العديد من الأدعياء الذين ادعوا العلم والمعرفة في شؤون الدين ، حتى كان لهم الدور البارز في تشويه الدين الحنيف، دين الفطرة والسماحة والنقاء.وكان لحالة الانقطاع العلمي والمعرفي أثره في التدهور الذي نال من المفاهيم، حتى برز التداخل وانتشر الجهل.إن وصفا كهذا لا يعني البتة أن الدين الإسلامي قد نال منه الضعف، فقد بقي الإسلام يمثل الرابط الروحي العميق والعقيدة الراسخة والثابتة في النفوس، لكن الوهن الاجتماعي أفسح لبعض الممارسات الخاطئة من البروز والظهور، حتى راح البعض من المسلمين يتوسل شجرة ، تحت دعوى التبرك بها، وراح الناس يقدمون لها النذور طالبين منها شفاء المرضى والمال والبنون ودرء الحسد والشر أو تفريج الهموم. ومن هذه الشوائب التي تعود لمرحلة الجاهلية الأولى، انبثقت العديد من الدعوات الدينية الإصلاحية ، والتي سعت نحو تنقية الدين من هذه العوالق، والعودة إلى الإسلام الأول دين السلف الصالح الخالي من البدع والخرافة والتكلف والتعظيم المبالغ فيه لبعض المظاهر الطارئة.
دعوة محمد بن عبد الوهاب السلفية
كان للبيئة الصحراوية في نجد أثرها البارز في تفاقم أوضاع الابتعاد عن الوعي السليم والصحيح بالدين الحنيف، حيث صعوبة الاتصال، وبعد المسافات وركود العلاقات الاجتماعية.وعلى الرغم من انتشار المذهب الحنبلي في منطقة نجد، وذيوع صيت العديد من المشائخ والفقهاء من أمثال، الشيخ أحمد بن يحيى التميمي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن مشرف، والشيخ شرف الدين أبو النجا، والشيخ موسى بن موسى، والشيخ عثمان النجدي، والشيخ يوسف النجدي.ولم يغب دور هؤلاء الشيوخ عن التنبيه والتأكيد على أهمية تنقية العقيدة ، من الشوائب التي راحت تنتشر بين الأوساط الشعبية، إلا أن دعواتهم هذه كانت تصطدم بالكثير من العقبات، لعل العامل السياسي كان من أبرزها، لاسيما وأن المنطقة كانت تعاني من الانقسام والصراعات المستمرة بين أمراء المناطق.
توزعت نجد بين الزعامات المحلية الصغيرة،والتي راح كل أمير فيها يسعى نحو تعزيز نفوذه الداخلي في المنطقة التي تخصه.وإذا كان النفوذ العثماني قد برز في بعض شبه الجزيرة العربية، إن كان في الحجاز أم الأحساء، إلا أن المناطق الداخلية بقيت بعيدة عن النفوذ العثماني، لينتشر نفوذ قبيلة بني خالد في المنطقة منذ العام 1670، لكن هذا النفوذ بقي يدور في فلك الأعراف والعادات القبيلة، أما الإمارات الصغيرة فقد بقيت تعاني والحروب من الصراعات والتوتر، وهذا ما كان بين امارات نجد مثل؛آل معمر في العينية، ودهام بن دواس في الرياض، وآل زامل في الخرج، وآل سعود في الدرعية.ويأتي دور آل سعود بوصفهم الحاضن الذي انطلقت منه دعوة محمد بن عبد الوهاب،والأسرة تنتسب إلى قبيلة عنزة التي تنتمي إلى قبيلة ربيعة العربية،المنشرة فروعها في الشام والعراق وشبه الجزيرة.وكان الجد الأعلى لآل سعود مانع بن المسيب قد وطد علاقاته مع بعض القوى القبلية منذ العام 1446، لتبدأ فيها ملامح إنشاء الإمارة، فيما كان لدور مقرن بن مرخان أثره الواضح في جعل الدرعية عاصمة للإمارة منذ العام 1682.حتى كان عهد محمد بن سعود والذي تم فيه عقد التحالف بين الأمير والشيخ محمد بن عبد الوهاب عام 1745.
كانت ولادة الشيخ عام 1703 لوالده الذي كان يعمل قاضيا لإمارة العينية، وقد برزت مواهبه مذ كان طفلا حتى أنه حفظ القرآن الكريم وهو لم يزل في العاشرة من العمر، وفي ظل الجو الديني والعلمي، تطلع نحو الارتحال في سبيل العلم، فكانت رحلته الأولى إلى الحجاز حيث درس على يد الشيخ عبد الله آل سيف، والشيخ محمد السندي.، فيما واصل رحلته إلى بغداد والبصرة ، ليقيم فيها مدة أربع سنوات درس فيها اللغة والحديث النبوي الشريف.بعدها توجه نحو الأحساء حيث درس على يد الشيخ عبد الله بن محمد الشافعي الأحسائي، لينهي مرحلة التنقل عائدا إلى حريملا التي يعيش فيها والده، وقد بلغ من العمر أواسط الثلاثينات.
تأثر الشيخ محمد بآراء الشيخ ابن تيمية الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي حيث توفي مسجونا عام 1327،بل أن ما نادى به من أفكار ومبادئ، إنما تتطابق بشكل كامل، لا سيما فيما يتعلق بالتمسك بأصول الدين من قرآن وسنة وآثار السلف الصالح، والتصدي للبدع والانحرافات التي راحت تنتشر بين المسلمين، كما كان التأكيد على مسألة فتح باب الاجتهاد ضمن دائرة المصادر الأساسية للإسلام، ورفض التقليد الجامد، ومن هذا فإن ما كتبه الشيخ كان مليئا بالشواهد المستقاة من مؤلفات الشيخ ابن تيمية.
تبرز إشكالية التسمية حول الدعوة ، فما بين المذهب والوهابية ، يتركز وصف الخصوم، ومن هذا راح التأكيد على أن هذه الدعوة ليست بالمذهب الجديد، بقدر ماهي متبعة لمذهب ابن حنبل، أما وصف الوهابية فهي محاولة لدمغها بالبدعة والخروج عن إجماع المسلمين ، وهذا الأمر كان نتاجا لحالة العداء والصراع الذي نشب بين قادة الدعوة بازاء الدولة العثمانية ومحمد علي باشا والي مصر.في حين أن أهل الدعوة يفضلون العديد من التوصيفات ومنها؛ الحنابلة ، الموحدون، الإخوان، السلفيون.
ركز الشيخ جهوده على مسألة التوحيد لله الواحد الأحد، وحرص على المجاهرة برفض المظاهر التي وجد فيها إشراكا للوحدانية، ومن هذا برزت حالة من العداء مع البعض من رجال الدين، لاعتبارات تتعلق بقضايا التفسير والتأويل، ومن واقع الدعوة والآراء التي انطلق بها غدت له شهرة في المناطق المجاورة ، حتى صار له الأتباع في مناطق العارض وحريملا والدرعية والعينية والرياض.بعدها كان تحوله إلى منطقة العينية، حيث أكرمه أميرها عثمان بن أحمد، لكن زعيم الخوالد سلمان آل محمد أمر الأمير بأهمية طرده، باعتبار حالة الخصومة التي برزت مع رجال الدين المتواجدين في المنطقة، ليتوجه إلى الدرعية، حيث وجد الرعاية لدى الأميران ثنيان ومشاري آل سعود، واللذان كان لهما الدور الأهم في التقريب بين الشيخ والأمير محمد بن سعود الذي أكرمه وساعده في نشر دعوته.حيث وجد فيه مجالا للجهاد الديني والذي من خلاله يمكن أن يتم توسيع الإمارة حتى كانت الاتفاقية بين الطرفين عام 1745، لتغدو الدرعية مركزا سياسيا ودينيا.
كان من نتائج هذا التحالف أن برزت حالة التوجه نحو تأسيس الدولة، بدلا من العلاقات القبلية التي كانت سائدة، فيما تجمعت قبائل نجد تحت هدف واحد وزعامة واحدة، بعد الصراعات والاقتتالات التي كانت تدور بينها. ولم يطل الوقت حتى كان التوسع قد شمل العينية التي تم فتحها عام 1750 والرياض في العام 1772، ولم يدخل العام 1787 حتى بلغت سيطرة الدولة على عموم نجد.لتبدأ الحركة نحو السيطرة على الأحساء حيث واجهوا بني خالد وانتصروا عليهم عام 1795، ومن هذه الانتصارات المتلاحقة عمد آل سعود نحو حشد الصفوف للزحف نحو الحجاز حتى كان دخول مكة عام 1803 والمدينة المنورة عام 1805.
وجدت الدولة العثمانية نفسها بازاء قوة ناهضة، وعليه راحت تحث ولاتها للتصدي والهجوم عليها، فوجهت أوامرها لوالي بغداد الذي كان يعاني من الصراعات المحلية، فكان نصيبه الفشل، وكذلك فشلت مساعي والي الشام.عندها توجه العثمانيون للإستعانة بمحمد علي باشا والي مصر، الذي أرسل حملة عسكرية بقيادة ولده طوسون عام 1811، بعد أن دبر مذبحة بحق المماليك، الذين فرضوا نفوذهم الكبير في مصر، وبعد الهزيمة التي تعرض لها جيش طوسون ، لم يجد محمد علي بدا من الخروج قائدا للحملة التي تمت عام 1813 ليحقق الانتصار على القوات السعودية في معركة بسل عام 1815، بعدها واصل طوسون أعمال أبيه حيث راح يحقق الانتصارات المتوالية، في أعقاب انهيار الروح المعنوية لدى القبائل، حتى اضطر الأمير عبد الله آل سعود للتفاوض، لكن الشروط القاسية التي وضعت، جددت مسار الحرب، حيث قدم إبراهيم باشا على رأس جيش جديد عام 1816، وقد تمكن هذا القائد أن يتبع أسلوب التقرب إلى القبائل من خلال تقديم الهدايا المالية والعناية بمطالب القبائل، حتى ضرب الحصار على مدينة الدرعية عام 1818، حيث أرسل الأمير إلى العاصمة العثمانية، ليأمر السلطان محمود الثاني بإعدامه، في حين قام إبراهيم باشا بتدمير مدينة الدرعية في ضوء الأوامر التي وصلته عام 1819.
الدعوة السنوسية
نشأت هذه الدعوة في اقليم برقة، وهو أحد الأقاليم الثلاثة التي تؤلف ليبيا ، بالإضافة إلى طرابلس وفزان،في الجانب الشرقي ، وقد أطلق عيله الرومان تسمية سيرينا، فيما أطلق عليه العرب تسمية قيرين، ومن واقع التداول اللغوي تطور الإسم حتى صار يعرف بـ برقة.والسنوسية تعود بالنسبة إلى محمد بن علي السنوسي الخطابي الحسني الإدريسي المولود في مدينة الواسطة من أعمال تلمسان في الجزائر، في ديسمبر عام 1787 وكان قد تلقى علومه الدينية في المغرب الأقصى، في جامع القرويين في فاس ، وأكمل دروسه في والحجاز التي بقي فيها حوالي ثمان سنوات، حيث غادرها في العام 1840، بعد تفاقم الصراع بين دعوة محمد بن عبد الوهاب السلفية، والمواجهات والصراعات التي برزت بازاء العثمانيين وأشراف مكة، وقد واجه الرفض وعدم القبول من قبل الوالي محمد علي باشا، حتى أن المقام لم يطل به في مصر سوى لأسابيع معدودة. وفي طريق عودته من الحجاز، استقر به المقام في برقة وفيها بدأ دعوته التي عرفت بلقبه العائلي.بعد أن تم احتلال الجزائر من قبل الفرنسيين عام 1830.
تقوم العلاقات الاجتماعية في برقة استنادا إلى الرابطة القبلية العميقة، والتي تنقسم بناء على الهجرة العربية الكبرى التي تمت في القرن الحادي عشر الميلادي لقبيلتي بنو هلال وسليم.واللتان قيض لهما الانتشار في عموم المغرب العربي، فيما تركزت الانقسام القبلي في الإقليم بين قبائل السعدية والتي تعود في أصولها إلى بني سليم ومن أبرز فروعها؛ العبيدات والفايد والحسا والبراعصة والدرسة والعبيد والعرفة والعواقير والمغاربة، وقبائل المرابطين التي تنتمي على بني هلال حيث قيض لها أن تتصل بالقبائل البربرية، وتحقق لها الانتشار الأوسع في عموم المنطق، ومن أبرز فروعها؛المنفة والحوطة والفواخر والزاوية.
ساهمت العلاقات السائدة ، في فسح المجال أمام الدعوة بالانتشار ، استنادا إلى حالة التجانس القائم بين القبائل،فالمساحة الواسعة وعدد السكان القليل كان له الأثر الأبرز في تركيز طريقة الاتصال، بالإضافة إلى التجانس الديني وانعدام الانقسامات المذهبية أو الطائفية.وكان لضعف القبضة السياسية العثمانية على الإقليم أثره البارز في تحرر القبائل من الرقابة المباشرة، فعلى الرغم من وصل السلطة العثمانية إلى طرابلس الغرب من العام 1551، إلا أن النفوذ هذا بقي مقصورا على السواحل، فيما لعبت التطورات السياسية في أعقاب ظهور الأسرة القرمنلية، التي حاولت مد السيطرة على الإقليم، حتى عادت السيطرة العثمانية من جديد، ليتم جعل برقة ولاية خاصة منذ العام 1838. ومن هذا كان الحرص نحو إخضاع السكان المحليين ، حيث ووجهت بالثورات المتلاحقة، والتي شكلت عبئا كبير ا على الدولة العثمانية ، والتي لم تجد بدا من الاعتراف بسيطرة السنوسيين الدينية والسياسية.
كان للعزلة التي عاشتها قبائل الإقليم أثرها في تشويه العقيدة الإسلامية ، حتى انتشرت العديد من الممارسات التي تتنافى وقيم الإسلام السليم والصحيح،بل أن البعض من الجهال راح يدعو إلى إنشاء كعبة بديلة، تحت دعوى مواجهة التكاليف والجهود التي تتطلبها رحلة الحج المقدسة، فيما راح البعض الآخر يتملص من أداء فرض الصيام ، من خلال الذهاب إلى وادي زازا الفسيح واطلاق الصيحات ، التي يتم من خلالها طرح السؤال حول الصوم من عدمه!هذا بالإضافة إلى التداخل في المعرفة الدينية التي تداخل فيها الجاهلي بالقبلي من عادات ومفاهيم خاطئة.
جاء السنوسي إلى المنطقة وهو العالم الجليل الذي نشأ في كنف العائلة الدينية، والمتزود من حقول المعرفة عبر تجشمه عناء السفرات الطويلة والرحلات المختلفة، والتي كان لها الأثر في صقل شخصيته ومكوناته المعرفية والعقلية، واتصالع بعلماء عصره وتلقي الدروس المباشرة على ايديهم من أمثال؛الشيخ العربي من زعماء الطريقة الشاذلية، بالإضافة إلى لقائه بكبار علماء الأزهر الشريف من أمثال الشيخ حسن العطار والشيخ الصاوي، والشيخ الأمير، إلا أن نقده المباشر لحكومة محمد علي، جر عليه الصدود والرفض من قبل المشايخ.وعند حلوله في الحجاز تتلمذ على يد الامام أبو العباس الفاسي صاحب الطريقة الإدريسية، ودرس الطريقة القادجرية على يد الامام العرائسي، وكان قد تزامل في الدرس مع صالح الميرغني، الذي انتشرت طريقته في السودان.أما العامل الأهم فقد برز في الأثر الذي احدثه الاحتلال الفرنسي للجزائر، وموقفه الناقد المرير للوهن والضعف الذي دب في أوصال الدولة العثمانية.
تتوضح أسس الدعوة من خلال المؤلفات الكثيرة التي ووضعها السنوسي، ومنها الدرر السنية في أخبار السلالة الإدريسية، وكتاب ريحانة الحبوب في عمل السطوح والجيوب، الذي اختص به في درس الرياضيات، وعلى الرغم من المؤلفات النتعددة ، إلا أن الكثير منها تعرض للتلف والضياع، في أعقاب ماتعرضت له البلاد من مواجهات بازاء المستعمر الإيطالي.
يقوم الأساس الديني الذي دعا إليه السنوسي ، استنادا إلى الأصلين القرآن والسنة والنبوية، ومن هذا راح يؤكد على أهمية العناية بأركان الإسلام الصحيح،وهي الصوم والصلاة وإيتاء الزكاة والحج إلى البيت الحرام، والتأكيد على أن الحلال بين والحرام بين، ولم يتوقف عند الجانب العبادي فقط بل كان تأكيده على أهمية اقتران العبادة بالعمل الصالح، الذي يتوجه نحو مرضاة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.مؤكدا على أهمية محاربة البدع والخرافات وماشاب العقيدة من تداخل وتفسير خاطيء.وعليه فإنه أكد على التطلع محو التجديد والتخلص من ربقة التقليد الأعمى الذي راح يغط فيه البعض من أدعياء الدين.من خلال فتح باب الإجتهاد الديني.ومن واقع تأثره بالصوفية فإن التطلع والتركيز كان قد توجه نحو الأخذ عن المذاهب الصوفية الصافية البعيدة عن البدع والتراقص والتمايل والاندراج في الغيبوبة، بل أن ميزان الشريعة كان الأساس الفصل الذي يتم من خلاله تقييم الأعمال.
يتجلى البعد الاجتماعي في الدعوة، في ظهور الزوايا، تلك الأماكن من التجمعات التي تم من خلالها نشر الدعوة في برقة، ومنها راح الاتجاه يتطلع نحو أفريقيا جنوب الصحراء، حتى انتشرت الدعوة في وسط وغرب أفريقيا، حيث الترحاب الذي بدر عن القبائل الزنجية التي عانت من هجمات تجار الرقيق عليهم، فكان فضل الإسلام عليهم أن زرع الطمأنينة بينهم من خلال بروز، حالة التآخي في الدين الواحد.كما صار الاتجاه نحو جعل الزوايا بمثابة ورش عمل وخلايا للنشطاء الذين يعبدون ويعملون، بل أن بناء الزاوية يكون المنطلق الذي يتحلق من حوله الأفراد العاملون الذين يؤلفون فريق العمل في المسجد والمدرسة والحقل الزراعي وتوسيع النشاط التجاري، حتى راحت تم تعميم التجربة في المناطق المهجورة التي كانت نهبا لقطاع الطرق والعصابات واللصوص.بل أن مرحلة من الأمان والتوافق والتآخي ، بين القبائل المتصارعة، صارت تحضر بقوة لافتة في عموم المنطقة.بل أن المنطقة عرفت نشاطا اقتصاديا لافتا بعد أن أمن الرعاة على قطعانهم والمزارعون على حقولهم والتجار على قوافلهم.
قامت الزوايا على نوع من التنظيم العسكري المحكم، باعتبار تحديد مجال الاتصال، حيث جعلت البيضاء والجغبوب، بمثابة الزاويتان المركزيتان اللتان يتم الاتصال بهما من قبل الاتباع، فيما كان الحرص على تدريب الاتباع ونشر الاستعداد العسكري بينهم ، لاسيما وأن أطماع القوى الاستعمارية ما انفكت تهدد العالم الإسلامي، فكان التوجه نحو التدريب على الرماية والسلاح وركوب الخيل، أما عن التمويل فكان يتم من قبل الزاوية الأقرب للتابع أو من قبل الأثرياء والموسرين الذين يجودون بتوفير الأموال اللازمة لذلك.ومن هذا لاستعداد والتنظيم قيض للسنوسية أن تبرز كقوة سياسية لها حضورها الفاعل في ليبيا والمناطق الأفريقية، حيث نجحت في مواجهة الهجوم الإيطالي الذي غزا الأراضي الليبية عام 1911، وكانت لهم المساهمة الواضحة في صد الهجوم الفرنسي على الجنوب الليبي.

استندت الدعوة في بواكيرها على أسلوب الإقناع والابتعاد عن الصدامات المباشرة ، من أجل تحقيق البناء الذاتي وبلوغ القوة التي تمكنها من تحقيق آمالها وطموحاتها، وعلى هذا ابتعدت عن المواجهة المباشرة مع القوى الأوربية التي كانت تتحرك في حوض البحر المتوسط ، هذا بالإضافة إلى حرصها على توطيد أواصر العلاقة مع الدولة العثمانية ، بوصفها زعيمة للعام الإسلامي، ومن هذا الواقع لم يتردد العثمانيون عن تقديم اعترافهم بالسنوسيين بوصفهم زعماء على ليبيا.والواقع أن العثمانيين أرادوا الاستفادة من النفوذ الذي تحقق للسنوسيين على المناطق الداخلية البعيدة عن النفوذ العثماني ، وبهذا فإنهم تمنكوا من بسط نفوذهم استنادا على الجهود المبذولة عن طرف آخر.
كان الشيخ محمد بن علي السنوسي، قد حرص على وضع نظام العلاقات الداخلية للدعوة ، من خلال التوفيق بين مبدأ الشورى الإسلامي، وتركيز وراثة الإمامة داخل العائلة السنوسية.وبهذا فإنه حرص على اختيار ولده محمد المهدي، حيث قدم له البيعة بوصفه إماما للدعوة من بعده، ليأتي دور الأسرة السنوسية في تقديم البيعة ، ومن بعدهم الأعضاء والإخوان.
أفادت الدعوة من مجمل التجارب السابقة، فهي تمكنت من التوفيق بين الدعوة السلفية والصوفية، فيما كان الحرص على تطوير نظام الزوايا ، الذي تم أخذه عن الطرق الصوفية والتوسع فيه وتفعيله ، وجعله بمثابة ورشة عمل كبيرة تتم فيها مختلف الممارسات الحياتية.من دون الخضوع لطرية التواكل التي كان يعيش عليها الصوفيون ، باعتبار انقطاعهم للعبادة، أما السنوسية فقد جاءت لتؤكد الربط الصميم والصارم بين العمل والعبادة.ولابد من التأكيد هنا على أن نظام الزوايا لم يقتصر على إقليم برقة ، بل أن الظهور الأول له كان في مكة المكرمة عام 1837، فيما ظهرت الزاوية الأولى في برقة في مدين البيضاء عام 1843، ومن واقع انتشار الزوايا في العديد من الأقاليم الإسلامية تتضح قوة الدعوة ، ومدى تأثيرها في العالم الإسلامي، حيث ظهرت سبع زوايا في طرابلس، وخمس في فزان، وواحدة في تونس، وسبع في الحجاز، وأحد عشر في مصر، وثلاث وعشرون في برقة، وواحدة في الجزائر، وواحدة في السودان، وواحدة في النيجر، وخمس في تشاد.أما زعامة الدعوة ، فقد ظهرت أولا في مكة ،وانتقلت إلى البيضاء، ثم الجغبوب، وبعد وفاة مؤسس الدعوة ، انتقلت إلى الكفرة. وكان الحرص على إنشاء الزوايا في المناطق الداخلية ، حيث الرغبة في تحاشي النفوذ العسكري العثماني، ومحاولة نشر الدعوة بين القبائل العربية القاطنة في الصحارى والواحات، حتى أن التصريح كان يكرر دائما على هدف الدعوة إنما يقوم على قراءة القرآن ونشر العقيدة الإسلامية بين الناس.
يعكس التنظيم الدقيق الذي أسس له صاحب الدعوة ، في تركز الزوايا على طرق التجارة الرئيسة ، والتي تم إحيائها وتنشيطها من خلال دور الزوايا في حماية الطرق والحث على العمل، فكان طريق الساحل –فزان-وصولا إلى بحيرة تشاد، وطريق نحو غدامس وغات وصولا إلى تمبكتو. والطريق الموصل إلى الكفرة سواكن وزيلا، وصولا إلى دارفور. وقد كان لهذا النشاط دوره الفاعل في تنامي الحياة الاقتصادية حتى عاشت البلاد رخاء اقتصاديا لم تشهده من قبل ، ولم يقتصر الأمر على التجارة فقط بل ، رافقه عناية بالزراعة، حتى جادت مناطق السواحل والواحات بالإنتاج الغزير،وكان للنظرة الدقيقة والحسابات البعيدة المدى أثرها البالغ في طريقة ومكان إنشاء الزوايا، حيث الحرص على الأماكن المنيعة والعالية، والتي تعسر على المهاجمين،فيما تمت الإفادة كثيرا من أحجار المواقع الأثرية الإغريقية والرومانية المنتشرة في المنطقة.وتتبدى النظرة العسكرية في حرص القائمين على تأسيس الزوايا وفقا لطريقة الكتلة الدفاعية ، حيث الحرص على الإسناد الدفاعي الذي يمكن أن يأتي من الزاوية المجاورة ، ومن هذا كانت المسافة بين زاوية وأخرى، تقوم على وضع مسافة مسير ست ساعات بينها جميعا.والواقع أن طريقة العمل هذه جاءت بسلاسة وتدبير محكم ، من دون أن تثير شبهات القوى الكبرى التي كانت تمد بنفوذها على المنطقة.
كان للزوايا الدور البالغ والواضح في المجال الثقافي، حيث الاتجاه نحو تعليم القرآن وعلومه المختلفة ، حيث الاستيعاب الكبير للطلبة ، فيما كان المميزون منهم يلتحقون بالزاوية الأم وهي البيضاء أو الجغبوب،وانتشرت المكتبات العلمية حتى تعددت فيها المصادر والمراجع وكتب الفقه والسيرة والحديث الشريف، بالإضافة إلى العلوم الطبيعية.وكان التطلع نحو جعل زاوية الجغبوب بمثابة المركز والصرح العلمي والثقافي الذي يوازي الجامع الأزهر في مصر والقرويين في فاس والزيتونة في تونس.
مثل الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830، أثرا مؤلما وحادا في نفوس المسلمين ، لا سيما أهل المغرب العربي، الذين خاب أملهم في هذه القوة(( الدولة العثمانية)) التي كان يعقد عليها الأمل في مواجهة القوى الأوربية، ومن تزامن ظهور الدعوة مع هذا الحدث، إلا أن السنوسي لم يجاهر بنقده للعثمانيين، خشية من الصدام المباشر الذي لابد أن ينعكس على النشأة التنامي.وكان تركيزه في الدعوة يقوم على أهمية أن يتزعم العالم الإسلامي رجل قرشي ينتسب إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.ومن هذا كان توجهه نحو تركيز قواه في المناطق الداخلية.لكنه سعى نحو تعميق علاقته مع العثمانيين عبر تحصيله للضرائب لهم واعلان الولاء، حتى أصدر السلطان عبد المجيد الأول فرمانا عام 1856 يقضي بإعفاء السنوسيين من دفع الضرائب، فيما صدر فرمان عن السلطان عبد العزيز بجعل الزوايا السنوسية بمثابة الأماكن الآمنة التي لا يمكن التعرض لها.وكانت الدعوة قد بلغت من التقدير والقوة ، إلى الحد أن بلغت البلاد العثماني ذاته، حيث ظهر العديد من الأتباع لها هناك.حتى أن العديد من الولاة الذين نصبوا في ليبيا لم يتوان من الانخراط فيها.وعلى الرغم من العلاقة الوطيدة ، إلا أنها تعرضت للشك والنفرة ، حتى عمد الشيخ نحو نقل مركز الدعوة إلى الكفرة عام 1895.وذلك بفعل الضغوط التي مورست من قبل القوى الاستعمارية على السلطان.
الدعوة المهدية
ظهرت حركة الشيخ محمد أحمد في السودان ، وتحديدا في منطقة دنقلة فجزيرة آبا الواقعة في النيل الأبيض، وجنوب كردفان ودارفور فالخرطوم. والواقع أن الدعوة قد ارتبطت بالثورة التي عمت هذه المناطق ، التي تعيش فيها القبائل العربية التي انصهرت بقبائل النوبة.حتى أن التسمية غالبا ما تتخذ سمة الثورة المهدية التي توجهت نحو الحكم المصري والوجود البريطاني، منذ العام 1881، بل أن تزامنها مع الثورة العرابية في مصر ، منحها المزيد من القوة وامكانية التوسع والانتشار في مناطق السودان المختلفة.
يحضر الطابع القبلي في السودان بقوة، خصوصا وأن التوزيع يقوم على طريقة توزيع لقبائل العربية في المنطقة، حيث الجعليين الذين ينتشرون في مناطق وادي حلفا حتى الجنوب من أم درمان، وقبائل جهينة التي انتشرت في الشرق وعلى حدود الحبشة وجهات شرق كردفان، وقبائل الكواهلة المتواجدون في عطبرة والنيل الأزرق والنيل الأبيض وغرب كردفان.وكان للقبائل العربية دورا واضحا في تاريخ السودان السياسي الحديث، حتى تمكنت قبيلة الفونج من تأسيس سلطنة النيل أزرق عام 1505، بالإضافة إلى السلطنة التي ظهرت في دارفور غرب السودان.ومن طبيعة الهجرة والاتصال مع السكان، حقق الإسلام انتشارا واسعا في تلك الربوع من دون الاعتماد على حروب أو حتى دعوات، بل أن الاندماج والتفاعل هو الذي جعل الارتباط بالإسلام صميما وواقعا معاشا.
كان للصراع الذي احتدم بين سلطنتي الفونج ودار فور ، أثره البارز في تكريس حالة الانفصال والانقسام في البلاد، فيما كان لانتشار الطرق الصوفية المختلفة أثره الأبرز في تفاقم حدة التنافس عبر انتصار هذا الفريق لتلك الطريقة، ومن هذا التعصب وحفز روح الانتماء تعرضت العقيدة الإسلامية إلى الكثير من التشويه والخرافات والمعتقدات المختلطة ببعض الطقوس والممارسات العبادية البدائية المأخوذة عن بعض القبائل الزنجية.
لم تولي الدولة العثمانية كبير عناية نحو السيطرة على السودان، فيما خلا ربط إيالة الحبشة خلال القرن السادس عشر بجدة، وقد حاول المماليك الهاربون من مذبحة القلعة التي قام بها محمد علي عام 1811، قد توجهوا نحو دنقلة ومنها أرادوا أن يكون لهم النفوذ البديل عن مصر في تلك الأنحاء.حتى كان العام 1820 والذي شهد زحف قوات محمد علي باشا، حيث تمكنت من فتح المناطق الواسعة من تلك البلاد وتركيز السلطات المصرية فيها، حتى تم تأسيس العاصمة الخرطوم في العام 1830، ومد النفوذ الذي نتج عنه حالة من الاستقرار للأنشطة التجارية والزراعية، وقد ترافقت هذه الجهود بفتح البلاد لحركة المستكشفين الأجانب، لا سيما على صعيد محاولة اكتشاف منابع نهر النيل، تلك الفكرة التي عنت على أفكار واهتمامات محمد علي باشا، وكان لدخول العناصر الأجنبية أثرها ووقعها السيئ في نفوس أبناء السودان، الذين وجدوا في حضور هؤلاء نوعا من التدنيس لحرمات البلاد الإسلامية.
كانت محاولات محمد علي باشا التحديثية، قد برزت بعض لمساتها في السودان ، لكنها كانت بطيئة وقليلة في مجالات التعليم والصحة والتصنيع والسكك الحديد وتنظيم الري والإصلاح الإداري، وكان عهد سعيد ومن بعده إسماعيل قد شهد نوعا من النهوض في تقديم الخدمات العامة، باعتبار الطموح الذي عن على إسماعيل باشا في توسيع الحكم المصري ليشمل السودان والصومال وساحل البحر الأحمر.
اصطدم الطموح المصري، بواقع التحركات الأوربية ، حيث التطلع نحو إحكام السيطرة على القارة الأفريقية، حتى بلغ الحال أن عمد إسماعيل إلى تعيين الجنرال غوردن حاكما عاما على السودان عام 1877، فيما توزعت سيطرة الموظفين الأجانب على مختلف مديريات السودان ما بين إيطالي وألماني ونمساوي، ، والذين لم يتورعوا عن التوجه نحو تطبيق سياسة ضرائبية ثقيلة بحق السكان كان لها الدور الأكبر في بروز حالة الثورة، وكان لقرار منع تجارة الرقيق أثره الأهم في تفاقم حدة الصراع، لا سيما وأن من يسيطر على هذه التجارة هم من كبار ومتنفذي القبائل العربية في المنطقة ، ونتيجة لهذا الصدام بالمصالح ، تعرضت العلاقات للتوتر، ليستثمرها الشيخ محمد أجمد في دعوته وضم الأتباع إلى دعوته، تحت شعار محاربة الكفار الذين استولوا على ديار المسلمين.
ولد محمد أحمد في جزيرة لبب من أعمال مدينة دنقلة عام 1844، لأب يعمل في نجارة السفن النهرية، وقد برزت ميوله العلمية منذ الصغر ، حتى راح يتوجه نحو حلقات الذكر والعلوم الدينية ، ليرتحل نحو كرري ومن بعدها إلى الخرطوم ومن ثم أصبح من مريدي الشيخ محمد الخير في بربر.بعد ذلك التحق بالشيخ محمد الشريف شيخ الطريقة السمانية، الذي وجد في النبوغ والفطنة والقدرات المميزة، حتى كانت رحلته إلى النيل الأبيض في جزية آبا، ليستقر فيها منذ العام 1871، حيث راح يراقب ما تداخل في العبادات والدين الإسلامي من بدع وانحرافات، داخل القبائل القاطنة في المنطقة ، ليبدأ الدعوة التي قامت على ؛أهمية التركيز على القرآن والسنة،والاستناد إلى الفطرة السليمة والبحث عن العقيدة السمحاء الخالية من التداخلات والتناقضات التي اختلطت بالوعي الشعبي السائد.وكان التركيز على أن الإسلام هو دين العمل وأهمية الربط بين الربط بين الدين والسياسة، أما المرتكز في العمل فقد استند إلى ربط دعوته بفكرة المهدية ، باعتبار أنه المهدي المنتظر الذي جاء ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملأت جورا وظلما.
استفاد الشيخ محمد من الموقع المتوسط لجزيرة آبا حيث طريق السفن النهرية ، حتى راح الناس يزورون المكان ويستمعون إلى أحاديث الشيخ وزاد أتباعه، حتى حظي بالتقدير والاحترام، مقدمين له الهدايا والأموال الكثيرة ،والتي استخدمها في ترصين وتدعيم دعوته، بل أنه راح يسعى نحو الاقتراب من رجال الدين ذوي الحظوة والمكانة في المنطقة ، ليتقرب إلى الشيخ القرشي ود الزين في منطقة الجزيرة، ليتوجه بكل ثقله نحو توجيه أسهم نقده المباشر نحو الحاكم المصري، الذي يعتمد على الموظفين الأجانب.ولم يطل به الأمر حتى أفضى لعبد الله التعايشي عن رؤاه لشخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأـنه الرجل المختار للنهوض بالدين وتخليصه من العوالق والشوائب.
لم يتردد الشيخ عن مهاجمة انقسام المسلمين في مذاهب واتجاهات شتى ، وعليه أكد على أهمية فتح باب الاجتهاد استنادا إلى الكتاب والسنة النبوية،فيما برزت روح التشدد من دون أن يترك الخيار للناس، أما نقاط الخلاف الرئيسة بازاء الحكم المصري فقد قامت على الفساد الإداري والضرائب المبالغ فيها و وجود الموظفين الأجانب في الإقليم.ولم يتردد الشيخ من المطالبة المباشرة بضرورة طرد المصريين والموظفين الأجانب من المناصب الحكومية،واشغالها من قبل السودانيين كي يتحقق العدل.وبدءا من العام 1881 أعلن الشيخ الجهاد ضد الحكومة المصرية، حتى كانت معركة آبا ، والتي أبرزت انتصارا كبيرا لقوات الشيخ وأتباعه. ليتوجه نحو جبل قدير في منطقة النوبة محققا انتصاره الثاني على قوات راشد بك. ومن هذا راحت القبائل المنتشرة في المنطقة تتوافد على الشيخ معلنة انضمامها إليه.لتتوالى الانتصارات ومنها الموقعة التي دارت عام 1882، والتي قتل فيها يوسف باشا ، وغنمت القوات المهدية كميات كبيرة من العتاد والسلاح. حتى تعززت الحركة وراحت تمد جذورها بكل قوة.
كان لتعيين عبد القادر باشا ناظرا على السودان أثره البالغ في انكماش فعالية القوات المهدية، حتى كان أمر استدعائه إلى القاهرة ،بمثابة حبل النجاة للمهديين الذين واصلوا انتصاراتهم على قوات الجنرال الانكليزي هيكس في شيكان عام 1883. فيما كان الانتصار الأكبر قد تحقق في العام 1885، والذي تمثل في السيطرة على الخرطوم وقتل الجنرال غوردن. ولم تطل بضعة شهور حتى غيب الموت الشيخ محمد، ليتولى الزعامة خليفته عبد الله التعايشي، الذي حشد القوات من أجل التوجه نحو تجرير مصر من الاحتلال البريطاني، ومن هذا تقدمت القوات المصرية والبريطانية منذ العام 1896، وما أن حل العام 1898 حتى تمكنت القوات المشتركة من القضاء على الحركة المهدية،واقامة الحكم الثنائي المصري – البريطاني في السودان.
على الرغم من التوجه نحو صفاء العقيدة والعمل على تخليصه من البدع والخرافات، إلا أن المهدية تعرضت للكثير من النقد ، لا سيما على صعيد اتخاذ زعيم الحركة للقب المهدي، حتى كان السنوسيون من أشد المعارضين لهذا اللقب، الذين وصفوا الشيخ محمد بالدعي والكاذب.بل أن توجهه نحو تقليد الدعوة الإسلامية عبر توصيف من هاجر معه إلى جنوب كردفان بالمهاجرين، ووصف أهلها بالأنصار، واتخاذه خلفاء أربعة تشبها بالخلفاء الأربعة ، جر عليه المزيد من النقد، خصوصا وأن مكانة الصحابة تبقى محملة بالخصوصية والتبجيل لدى عموم جمهور المسلمين.وإذا كان الحديث عن المهدية بوصفها حركة دينية أرادت أن تعود بالدين الجنيف إلى أصوله الأولى،فإن الواقع يبقى يشير إلى الانشغال الطويل بالحروب قد عطل مهمة الشرح والاهتمام بالدين.
إشارات وإحالات:
1.فلاديمير لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية الحديثة ، ترجمة عفيفة البستاني، دار التقدم ، موسكو 1971.
2.طالب محمد وهيم ، مملكة الحجاز 1916-1925، دراسة في الأوضاع السياسية، البصرة 1982.
3.عبد الكريم غرايبة ، مقدمة في تاريخ العرب الحديث، دمشق 1960.
4.جمال زكريا قاسم ، الخليج العربي، دراسة لتاريخ الإمارات العربية في عصر التوسع الأوربي، القاهرة 1985.
5.أمين الريحاني، تاريخ نجد وملحقاته وسيرة عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، المطبعة العلمية، بيروت 1928.
6.أحمد مصطفى أبو حاكمة، محاضرات في تاريخ شرقي الجزيرة العربية في العصور الحديثة، معهد البحوث و الدراسات العربية، القاهرة 1968.
7.أحمد عزت عبد الكريم، دراسات في تاريخ العرب الحديث، بيروت 1970.



الفصل الخامس
الدولة العثمانية من الإصلاح إلى التنظيمات
نظام الامتيازات الأجنبية
مثل عهد السلطان سليمان القانوني 1495- 1566، ذروة القوة والمجد الإمبراطوري للدولة العثمانية، حيث الفتوحات العظيمة التي توسعت، حتى راحت خزائن الدولة تتلقى المزيد من الثروات والأموال الطائلة، والتي فتحت مجال التطلع نحو الدعة والراحة وحياة الترف من قبل النخبة السياسية، حتى كان المفتتح لظهور الفساد والتراخي والإهمال في صلب فعاليات لدولة.وإذا كان السلاطين العثمانيون قد حرصوا على قيادة المعارك الكبرى بأنفسهم، وتوجيه العناية القصوى بالجيش الإنكشاري، الذي تحصل على التدريب الجيد والعناية الكبيرة التي من خلالها يتم إبراز هيبة الدولة ووجهها العسكري، في ظل حالة من التنافس والصراع المحتدم، فإن التطورات اللاحقة أبرزت تحول هذا الجيش إلى عبء عرض الدولة إلى الانشقاقات والانقسامات، بسبب تنامي النفوذ بين ضباطه وتصاعد حمى التنافس والرغبة في تسلق المناصب القيادية، فيما أحجم السلاطين اللاحقون من المساهمة الجادة والحقيقية في قيادة الجيوش، بعد انصرافهم نحو المتع والانشغال بمظاهر الترف، والتي مثلت مجالا للتنافس بين السلاطين.
فرضت التطورات السياسية والعسكرية بثقلها الشديد على السلطان سليمان القانوني، حتى وسع من صلاحيات الصدر الأعظم(( رئيس الوزراء)) لكن هذه الصلاحيات أضحت من بعده وكأنها التقليد الثابت الذي لا يمكن الإفلات منه، حتى إذا هذا المنصب مصدرا للوشايات والتحريض وحوك الدسائس بين كبار موظفي الدولة ، ومن هذا الواقع الملئ بالريبة والشكوك والصراعات الفرعية ، نالت الدولة نصيبها الواضح من الوهن والضعف، والذي تراكمت في المشكلات حتى بات البحث عن الحل بمثابة العقدة المستحكمة،والغاية الرئيسة التي شغلت عقل الإدارة والحكومة.يضاف إلى ذلك أن فترة السلطان القانوني قد شهدت ظهور نظام الامتيازات الأجنبية عام 1536، والذي كان له الأثر الأكبر في تسلل النفوذ الأجنبي داخل الدولة العثمانية.
كانت الظروف الدولية قد ساهمت في ظهور هذا النظام الذي جر الويل وعوامل الوهن والضعف على العثمانيين.وإذا كانت البواكير قدا ارتبطت بطبيعة التحالف القائم بين سليمان وفرانسوا الأول ملك فرنسا، حيث تعرض هذا الأخير إلى الحصار من قبل قوات شارل الخامس ملك النمسا وإسبانيا وهولندا وألمانيا، حتى تم القبض على الملك الفرنسي وأجبر على توقيع معاهدة مدريد عام 1526، تم الاتصال بالعثمانيين من أجل تقديم العون حتى تمكن السلطان من فتح المجر بعد أشهر من هذا الحادث، بل أن الجهد العثماني راح ينصب نحو حماية سواحل فرنسا على البحر المتوسط بقيادة خير الدين بارباروسا، ومن هذه العلاقة الحميمة وسيادة النوايا الطيبة من قبل العثمانيين، تمكن السفير الفرنسي في الأستانة دي لا فين من توقيع نظام الامتيازات الأجنبية، انطلاقا من فكرة تعزيز التعاون المشترك وتنشيط العمل التجاري بين البلدين، لكن هذه الاتفاقية سرعان ما تحولت إلى عبء كبير وقع بالثقل المرير على الدولة العثمانية ، حتى باتت مرتعا خصبا لنفوذ السفراء والقناصل الأجانب، في أعقاب ظهور سلاطين ضعفاء، وتنامي حدة الصراع الداخلي داخل المؤسسة العسكري والسياسية الإدارية العثمانية.
اشتملت الاتفاقية على نصوص مربكة ومحيرة ، لا سيما حالة التراخي والنوايا التي لا تخلو من سذاجة في قبول بنود أقل ما يقال عنها ، أنها تنازلات وأغلال يتم من خلالها ربط السلطنة بطرف دولي آخر، ومن البنود ما أشار إلى تفضيل مصالح الفرنسيين بشكل ملفت ، عبر عدم جواز تقديم دعوة مدنية من قبل العثمانيين ضد أي تاجر فرنسي من دون الحصول على إذن صادر عن القنصل الفرنسي. وربط المشكلات التي قد تحدث بالصدر الأعظم،بل أن الملفت في الأمر تجرؤ الجانب الفرنسي على جعل الرعايا الفرنسيين من تجار وخدم أن تكون محاكماتهم بعلم ومعرفة الباب العالي شخصيا.فيما أشارت المعاهدة ، إلى عدم مسؤولية فرنسا إذا قام أحد الرعايا الفرنسيين بالهرب والتنصل من مسؤوليته التجارية أو القانونية.وقد اشترط فرانسوا الأول إضافة بابا روما وملك إنكلترا وملك سكوتلاند، إلى المعاهدة ، في حالة رغبتهم بالدخول فيها.
لم يتوقف الأمر على هذه البنود ، بل أن الكثير من الملاحق راحت تظهر وتتناسل، حتى تمكن الملك الفرنسي هنري الثاني من توسيع المعاهدة عام 1553، حيث جعل من الرعايا الكاثوليك في بيت المقدس تابعين للحماية الفرنسية، وجاء السلطان سليم ليضيف في معاهدة 1569 التي وقعها مع الملك الفرنسي شارل التاسع، والتي تعهد فيها العثمانيون إعفاء الفرنسيين من دفع الجزية والتعهد بتقديم العون للسفن الفرنسية الجانحة إلى السواحل العثمانية، ومن هذا الموقع المميز الذي تم تقديمه وبمجانية ملفتة ، لم يتردد الفرنسيون من التطلع نحو التبشير للمذهب الكاثوليكي وإنشاء المدارس والبعثات، بل والعمل على فرض الحماية والوصاية على مسيحيي بلاد الشام.وإذا كانت فرنسا قد افتتحت هذا الباب فإن الإنكليز لم يترددوا من الإفادة من هذا النظام، حيث وقعوا المعاهدة عام 1579، ليعقبهم الهولنديون عام 1612.
القراءة المباشرة لبنود هذا النظام تكشف عن مدى الحيف اللاحق بالسلطنة ، حتى ليتبدى السؤال حول قيمة هذه المعاهدات وما يمكن أن تجنيه الدولة العثمانية من مصالح وفوائد.فيما كانت القراءة العثمانية قد استندت إلى أهمية الأحداث التي ألمت بالمنطقة والتي تمثلت في ظهور الحركة البروتستانتية، ودعوة مارتن لوثر لمذهبه لجديد، والانقسام الديني الذي ظهر في أوربا المسيحية، حتى أن شارل الخامس لم يتردد من الخروج على سلطة بابا روما.ولم يتردد العثمانيون من محاول الإفادة من هذا الصراع من خلال التقرب إلى البروتستانت، ومن جانب آخر حرصت على توطيد أواصر العلاقة مع فرنسا في سبيل محاصرة شارل الخامس.بل أن الامتيازات التي قدمت لإنكلترا كان القصد منها إيقافها على الحياد، لكن هذه التصورات بقيت تعاني من النقص في فهم طبيعة العلاقة القائمة في الكيان الأوربي، فعلى الرغم من الصراعات والصدامات المباشرة بينهم، إلا أنهم سرعان ما اجتمعوا بعد أن أطلق البابا نداءه حول أهمية وقف الزحف الإسلامي في أوربا.
أتاحت الامتيازات الأجنبية فرصة سانحة للقوى الأوربية من التسلل في صميم بنية الدولة العثمانية، حتى راحت السفن الأوربية تحمل العلم الفرنسي في سبيل الإفلات من هيمنة القانون العثماني عليها.فيما توسع الفقد للموارد الضريبية الذي راح يتبدى واضحا على الخزينة، يضاف إلى ذلك الانقسام في مسألة المواطنة، فالرعايا المسيحيون راحوا يستفيدون من وصاية الدول الأوربية، عبر جني المزيد من المكاسب التعليمية ، التي توفرت لهم على حساب مواطني الدولة العثمانية من المسلمين،وبات الفرق واضحا بين المسلمين والمسيحيين من رعايا الدولة الواحدة، بلا ـن مفهوم الانتماء والوطنية والولاء بات يعاني من الارتباك والتداخل. وإذا كان العثمانيون قد أسرفوا في تقديم الهبات والمنح للقوى الأجنبية تحت دعوى الحسابات الإستراتيجية ، فإن هذه الحسابات سرعان ما تكشفت في وقوف فرنسا إلى جانب البندقية في حربها مع العثمانيين خلال عهد السلطان مراد الرابع 1624- 1640.
سعى الفرنسيون نحو زيادة رصيدهم، من خلال تجديد المعاهدات، حتى كانت البنود الجديدة التي ظهرت عام 1740، والتي تحصلت من خلالها على مكاسب وإعفاءات ضريبية ومصالح تجارية واسعة، حتى كانت حملة نابليون على مصر، حيث تم إيقاف العمل للامتيازات، وبعد خروجه عام 1801 أعيد العمل بالنظام ليضاف إليه حرية التجارة في البحر الأسود، والذي جعل من الأوربيين يعملون بروحية المهيمن والمسيطر، حتى كانت النتائج المباشرة وقد برزت في شكل توقف ملفت للنظام الضريبي وتراجع التجارة وعجز الدولة عن القيام بدورها في تنفيذ المشاريع والإصلاحات بسبب شح الموارد المالية.
تعرضت هيبة الدولة إلى الضعف والوهن ، جراء التدخل المباشر من قبل السفراء والقناصل الأجانب، الذين راحوا يفرضون حضورهم على القرار السياسي الداخلي ، بل أن السيطرة راحت تتوسع لتشمل المجمل من التفاصيل التي تقوم عليها الدولة.فخلال الأحداث الطائفية التي تعرض لها جبل لبنان عام 1860، لم تتردد فرنسا من توجيه أسطولها من أحل حماية المسيحيين بازاء الدروز، ولم يكن هذا الموقف مقتصرا على فرنسا فقط ، بل نال هذا العمل موافقة جميع القوى الأوربية.وإذا كانت المصالح قد حفزت البعض من القوى ، فإن التطورات اللاحقة سرعان ما أفرزت تدوي السيطرة ، وجعل العمل مشتركا من خلال جملة من المؤتمرات الدولية، التي عملت على التنسيق للجهد الأوربي في سبيل القضاء على السلطنة.فكان مؤتمر برلين عام 1876 وما تمخض عنه من تشكيل مجلس دولي يقوم بمراقبة أوضاع المسيحيين في الدولة العثمانية.ومؤتمر لندن عام 1877 الذي منح السفراء الأوربيين مهمة مراقبة أوضاع المسيحيين في الدولة، إلا أن السلطان رفض هذا الأمر، وعليه عمدت روسيا القيصرية إلى شن الحرب التي انتهت بعقد اتفاقية سان ستيفانو عام 1878.
كان للظروف الدولية المعقدة، أثرها في توجه حكومة الاتحاديين نحو العمل على إلغاء الامتيازات الأجنبية، حتى أن وزير الحربية أنور باشا، طالب السلطان عام 1914 بأهمية العمل السريع، حتى كان العمل نحو رفع الرسوم الجمركية والسيطرة على مكاتب البريد ا<نبي، وجعل الأجانب خاضعين للقوانين العثمانية، بالإضافة إلى غلق الموانئ العثمانية بوجه السفن الأجنبية.وعلى الرغم من هذه الإجراءات ، إلا أنها جاءت في فترة الحرب العالمية الأولى ، ومن هذا فإن على الصعيد القانوني بقي سارية المفعول حتى تم إبطالها بموجب معاهدة لوزان عام 1923. محاولات الإصلاح على الرغم من القوة والمنعة التي تبدت عليها الدولة العثمانية، خلال القرن السادس عشر ، إلا أن ملامح الخلل والوهن ، كان قد تم تشخيصها من قبل البعض من المفكرين والسياسيين العثمانيين ، الذين لم يترددوا من الإشارة المباشرة إلى أهمية الالتفات إلى ما يجري في السلطنة والسعي نحو معالجته.ويشير الباحث قيس العزاوي ((الدولة العثمانية،صص38-39))، إلى خمس من المحاولات التي يصفها بالأصيلة وهي؛كتاب مصطفى جيليولو ت 1599 وكتابه مفاخر النفائس في كفاية المجالس، والتقرير الذي قدمه علي أفندي أمين بيت المال في مصر بداية القرن السابع عشر، وكتاب الرسالة الذي قدمه مصطفى كوجي بك، والرسالة التي وضعها المؤرخ حاجي خليفة ت 1657، وكتاب نصائح الوزراء والأمراء لمؤلفه محمد ساري في أواخر القرن السابع عشر.وتلتقي معظم هذه المحاولات في قواسم مشتركة ، الأغلب منها يقوم على ؛ 1.التوجه المباشر إلى السلطان، حيث تسلم السلاطين؛مراد الثالث، أحمد الأول،مراد الرابع، محمد الرابع. 2.البعض من هذه التقارير طلبت وبأمر مباشر من لدن السلطان، فالسلطان محمد الرابع طلب من المؤرخ والسياسي حاجي خليفة أن يضع تصوراته حول أسباب الانحدار والتدهور التي نالت من السلطنة. 3. النقد المباشر للطبقة المتنفذة التي استطاعت أن تحظى بالنفوذ وراحت تتوسع بالقوة والنفوذ على حساب الطبقات الاجتماعية الأخرى. 4.الفساد والرشوة وسوء الإدارة وتولي المناصب الوظيفية العليا لأشخاص لا يملكون الكفاءة والقدرة والمؤهلات.هذا الفساد الذي تسلل إلى أبرز المناصب العلمية والدينية والعسكرية. 5.انعزال السلاطين عن المشاركة المباشرة في قيادة الجيوش ، والاعتماد على الجهاز الوظيفي في تسيير شؤون الدولة. 6.النفوذ والسلطات الكبيرة التي نالها منصب الصدر الأعظم.والذي أصبح مصدرا لصناعة المؤامرات والدسائس، وتعريض أصحاب الكفاءة والمقدرة إلى التصفية. 7.الضعف الذي دب في نظام التيمار، بعد أن تم توريثه لمن هم خارج خدمة الجيش، وما نجم عنه من خراب للأراضي الزراعية ونقص الموارد المالية المتحصلة لخزينة الدولة. 8.الضرائب الباهظة والثقيلة التي راحت تفرض على الفلاحين، حتى برزت ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدينة ، لتفقد الدولة موردا أساسيا وقطاعا مهما تقوم عليه الحياة. 9.أهمية إعادة النظر في مسألة مصاريف الدولة التي تضخمت، وغلب عليها قطاع من الموظفين الذين زاد عددهم حتى غدوا عبئا ثقيلا على توجهات التقدم والتغيير. في ضوء ذلك لم يتردد السلطان مراد الرابع 1623-1640، من السعي نحو التغيير والإصلاح.حتى كانت جهوده قد بدأت في مجال دعم الحرف والصناعات المحلية في سبيل مواجهة زحف البضائع الأجنبية التي استفادت من نظام الامتيازات الأجنبية.وكان التطلع نحو تطوير النظام الضريبي ومنح الحرية للتاجر العثماني قد يتمكن من الدخول في مجال المنافسة وجني الأرباح.ولم يغب دور أسرة كوبريللي، التي تولي بعض رجالها منصب الصدر الأعظم 1656-1683 حيث كان الدأب نحو تنظيم شؤون المال والإدارة والجيش، لكن هذه الجهود سرعان ما تعرضت للتوقف عندما انتهى دورهم السياسي. بقيت محاولات الإصلاح تعاني من الآنية والحماسة الوقتية والأهداف التي تعن على البعض من السلاطين ، فيما كانت الحاشية وأصحاب النفوذ قد سيطروا على منافذ الدولة، أما التنافس الدولي فقد بلغ مداه عندما حوصرت الدولة من الشرق والجنوب ، عندما تمكن الغربيون من اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح وما تبعه من سيطرة على طرق البحار والتجارة مع الشرق، لتفقد الدولة موردا أساسيا من مقوماتها الاقتصادية والمالية.وكان للتطورات الدولية دورها البالغ في تنامي حالة الوهن والضعف ، حيث الصدامات والخسائر والفقد الذي نال من القوى الإسلامية، في الوقت الذي راحت القوى الأوربية تزداد نفوذا وقوة، فقد سقطت الأندلس عام 1492 وهي القوة الإسلامية التي كان من الممكن أن تكون رافدا وداعما للوجود العثماني في أوربا، والصراع الذي دار بين القوتين المسلمتين وهما العثمانية والصفوية ، وما جره هذا الصراع من ضعف وتبديد للجهود، التي كان يمكن لها أن توجه نحو العدو الرئيس.أو القضاء على دولة المماليك وهي القوة الإسلامية التي وقفت في وجه البرتغاليين. مثل النصف الثاني من القرن السابع عشر بداية التحول في الاستراتيجيا العثمانية، حيث الركون إلى الدفاع بدلا من الهجوم وتحقيق الانتصارات، فكانت الهزيمة على يد روسيا القيصرية عام 1681 والتي نجم عنها فقدان السلطنة للمزيد من الأراضي الأوربية المهمة مثل أوكرانيا. والفشل الذريع في حصار فينا عام 1683،وصولا إلى توقيع السلطان مصطفى الثاني معاهدة كارلو فتز عام 1699، بعد الوساطات التي بذلها لويس الرابع عشر، مع الحلفاء الأوربيين ؛النمسا وروسيا والبندقية وبولونيا، والتي ترتب في ضوئها تنازل العثمانيين عن المجر وترانسلفنيا ومدينة أزاق على البحر الأسود، وكامينك وبودوليا وجزية مورا واقليم دالماسيا، ومن هذا التاريخ يتضح المدى الذي بلغته الدولة العثمانية من ضعف ووهن، حيث التنازل عن معظم فتوحاتها التي حققتها في أوربا.بل أن هذه المعاهدة قد فتحت الباب أمام التدخل الأوربي في المجال السياسي بعد أن كان التدخل مقصورا على الجانب الاقتصادي. في ضوء الانتصارات المتلاحقة التي راحت تحققها روسيا القيصرية، على الدولة العثمانية ، بدأ التفكير لدى هذه الأخيرة يتفاعل حول دراسة الأسباب التي جعلت من روسيا تصل إلى هذا المستوى العسكري المتقدم ، حتى اهتدى التفكير إلى أهمية الإصلاحات التي قام بها بطرس الأكبر 1672-1725 في بنية المؤسسة العسكرية، ومابين ثقل الهزائم ، وبروز النموذج الروسي، كان توجه العثمانيين نحو الإصلاح والتحديث لبنى الدولة الأساسية في الجيش والتشريعات والقوانين والتعليم والقوانين الاقتصادية، حتى جاء الإصلاح ليخلق جملة من العوالق والمشكلات، التي اصطدمت بواقع العلاقات العثمانية السائدة، حيث الاستيراد المباشر لمضامين غربية لا علاقة لها بالواقع والثقافة الشرقية،وحالة التصادم مع المؤسسات القديمة ، التي وجدت في الإصلاح خطرا مباشرا لمصالحها، بل ولوجودها، فيما يتجلى الخطر الأكبر في طريقة التفعيل التي تصادمت مع الشريعة الإسلامية،والتي رحت تحاول ابعاد الشريعة والدين من مجمل التنظيمات والوانين السائدة، إن كان على صعيد الجيش أم الاقتصاد، أم الجانب التعليمي حيث راح التعليم الإسلامي يتعرض للانحسار بازاء التعليم على الطريقة الأوربية. في عهد السلطان أحمد الثالث 1703-1730، برز نشاط الصدر الأعظم إبراهيم باشا نحو الانفتاح على الغرب، حتى أنه عمد إلى استحداث منصب سفير عثماني لدى دول الغرب، فكان أن ظهرت سفارة للعثمانيين في فينا عام 1719، وفي العام 1721 وصل محمد جلبي إلى باريس ليعمل سفيرا فيها، وقد كان لهذا السفير دوره البالغ في توجهات السلطان نحو التفرنس والتأثر بهم بشكل كبير، بل نه فه التحديث وفقا لرغباته وأهوائه الخاصة ، فعلى الرغم من الظروف العسيرة التي تمر بها السلطنة ، إلا أنه سعى نحو أخذ الجانب الكمالي من الحضارة الفرنسية ، حتى توسع في بناء القصور والانشغال بالقضايا الفرعية ، حتى كانت ثورة الجيش الانكشاري، الذي لم يكتف بقتل الوزير، بل عمد إلى عزل السلطان. الغضب والهياج الذي برز من قبل القوى التقليدية بازاء التحديث ، لم تمنع من بروز بل وتنامي توجهات التحديث لدى السلاطين العثمانيين،حتى أن السلطان محمود الأول 1730- 1754 لم يتردد من استحلاب مستشار عسكري فرنسي هو الكونت دي بونفال، فيما توسع السلطان مصطفى الثالث 1757-1773 في استجلاب المزيد من الخبراء العسكريين، فيما كانت الصراعات التي احتدمت بين السلطان سليم الثالث 1789-1807 بازاء المؤسستين العسكرية والدينية،أن يكون التوجه نحو إرساء قواعد النظام الجديد ليشمل مختلف قواعد الدولة ، حتى كان نظام جديد الذي سعى نحو إصلاح المؤسسة العسكرية وإيراد جديد وغايته الإصلاح الاقتصادي والنظام المالي، حيث تمت الاستعانة بالنموذج الفرنسي، والذي غدا بمثابة الغاية القصوى التي تعن على رجال النخبة في الدولة،ومن هذا التوجه برزت حالة الهيمنة والسيطرة للخبراء الأجانب وعلى مختلف القطاعات والمناشط، وقد بذل المبعوث السلطاني راتب أفندي إلى أوربا دورا بالغا في طرح الأفكار التي تث على أهمية الأخذ بالنموذج الغربي ، حيث التقدم والازدهار والتطور الحاصل في مجمل القطاعات، ومن هذا برز الاتجاه القوي نحو تبني النموذج الفرنسي، والذي لم يتوقف على المستوى التقاني ونقل الخبرات الفنية، بل تخطاه إلى المجال الثقافي، حتى غدت الفرنسية لغة ثانية للتعليم. كانت تقارير السفراء العثمانيين تصل تباعا إلى القصر السلطاني، وكان جميعها يحث على أهمية النموذج الغربي، و ضرورة التوجه نحو الأخذ به، حتى كان الوصف لمجمل الفعاليات المدهشة والتطورات المتلاحقة التي يتم تحقيقها، في ظل الأنظمة والتشريعات السائدة.ومن واقع التقارير التي تم رفعها من قبل السفراء العثمانيين ، بدأت اللغة المتداولة تميل إلى تغيير وصف المشركين الذي كان سائدا في المراسلات العثمانية السابقة ، وراحت اللغة تؤكد على توصيف المنافسين.وبالقدر الذي بلغا الحماس الطاغي من قبل السلطان سليم الثالث نحو اعتناق النموذج الغربي، إلا أن تطورا داخليا في الدولة كان له المساهمة في تغيير الوجهة السائدة ، حيث تولى مشيخة الإسلام قاضي عسكر رومللي، الذي تحالف مع الانكشارية في رفض التوجهات الغربية، حتى تم قتل مجمل رجال النخبة العثمانية ذات النزوع التحديثي، وبل وتفاقم الأمر حتى تم عزل السلطان نفسه عام 1807.وعلى الرغم من التوجه الملفت بل والمبالغ فيه الذي بدر عن السلطان ورجال حاشيته نحو استقبال المزيد من الخبراء الغربيين،والأوصاف العديدة التي تم إسباغها عليه من قبل الأوربيين،بوصفه المصلح والساعي نحو تطوير الدولة ، إلا أن الوقائع كانت تشير إلى المخططات العسكرية الأوربية الساعية نحو تقويض الدولة العثمانية ، حتى كانت الهجوم الروسي- النمساوي عام 1789، والذي فقدت فيه الدولة الكثير من أراضيها في وسط أوربا، بالإضافة إلى حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798. التنظيمات العثمانية نجم عن حركة الإصلاح التي تم التوجه لها في الدولة العثمانية ، أن برزت نخبة من سياسيين وعسكريين واقتصاديين وموظفين تشربوا بالأفكار الأوربية ، من خلال البعثات التي أوفدا بها إلى الغرب، ليصبحوا دعاة لنموج التحديث، حتى باتت فكرة الإصلاح على النمط الغربي جزءا فاعلا، في صميم الفعاليات الأساسية للسلطنة.فيما راح الترويج وبكثافة عالية لأفكار الثورة الفرنسية حول الحرية والإخاء والمساواة، وقد تمكن البعض منهم من بلوغ أرفع المنصب الإدارية، فكان أن تسنم رشيد مصطفى باشا منصب رئاسة الوزارة ، ليبدأ جهوده الحثيثة نحو اصدار خط شريف كلخانة في نوفمبر – تشرين الثاني 1839، والواقع أن صدور هذا النظام إنما جاء في سياق الضغوط الأوربية المتلاحقة حول أهمية تغيير النظم الإدارية السائدة في السلطنة ، ومن هذا فإن الحافز والباعث جاء خارجيا ، ولم يكن تجاوبا مع الظروف الداخلية التي تمليها شؤون الدولة. بل أن الأمر لم يخل من تفاوضات فرعية قام بها الصدر الأعظم ، بازاء الضغوط التي مورست حول توجه الأوربيين لدعم تجربة التحديث للوالي محمد علي باشا في مصر، وموقف السلطنة من الثورة التي اشتعلت في اليونان . كان التطلع نحو النهل الواسع عن النظم الفرنسية وبطريقة ملفتة للنظر،مما يسترعي الانتباه إلى سعة النفوذ الفرنسي و ما بلغه من قوة وحظوة وتأثير بالغ، لا سيما في مجال حقوق الإنسان الذي أفرزته الثورة الفرنسية عام 1789.فيما انتهى العمل بنظام الالتزام وصار التوجه نحو النظام الجديد المستمد من النموذج الأوربي.وعلى الصعيد العسكري تم وضع سقف زمني قوامه أربع سنوات لخدمة الجند.ولم يطل الأمر حتى عمدت القوى الأوربية نحو جني ثمار هذا النظام والذي تم من خلاله انتهاك خصوصية العالم العثماني ، حينما راحت المؤسسات السياسية والكنسية تعمل على بث نفوذها من خلال الارساليات التبشيريةوافتتاح دورا للأيتام وبعض المدارس الدينية التي لم تقتصر على استقبال الطلبة المسيحيين، بل تخطاه نحو استقطاب الأعداد الوافرة من الطلبة المسلمين. كان لحرب القرم 1853- 1856 دورها المباشر في توجه السلطان نحو اصدار خطي شريف همايون عام 1856، والذي جاء إتماما لسياسة الباب المفتوح بالنسبة للنفوذ والوجود والمصالح الغربية، بل أن الظاهرة الجديدة التي تبدت على صعيد الواقع العثماني، قد تجلت في نقل الصراع من الخارج إلى الداخل، حتى نشب الصدام المباشر بين المجددين ، أصحاب المشروع التحديثي الذين قالوا بأهمية نقل التجربة الغربية وتطبيقها ، تحت دعوى الخلاص من حالة الوهن والضعف الذي دب بالسلطنة. والقوى المحافظة التي تمثلت برجال الدين وبعض قادة الجيش والموظفين القدامى، حتى بلغ الأمر أن عمد رجال الدين إلى تكفير رشيد باشا لإصداره مثل هذه التنظيمات، التي حددت نفوذ رجال الدين في مجال التشريع والإدارة. ورسم ملامح الخطوات نحو علمنة الدولة ، عبر تركيز مجال العمل نحو فصل الدين عن السياسة، وهذا ما يتبدى من خلال التركيز على توسيع مجال التداول لمفهوم الوطن على حساب مفهوم الأمة الذي يعنى بالعالم الإسلامي. يتجلى أثر التنظيمات العثمانية في بروز المزيد من الأحوال والأوضاع، التي راح النفوذ الأوربي فيها يتخذ أثره الشديد في ربط المال والاقتصاد العثماني، بحركة وموجهات السوق الرأسمالية الغربية، حتى راحت الأزمة الاجتماعية الخانقة تتبدى مظاهرها من خلال سوء الأوضاع الاقتصادية للفئات الشعبية والموظفين والعسكر، والحالة المزرية التي بلغتها الأوضاع الحرفية وتراجع الصناعات التقليدية بازاء التنافس والحور للبضاعة الأوربية المدعمة بقوانين صادرة من قبل السلطنة ، التي كان من الواجب والطبيعي أن تحرص على حماية اقتصادياتها الوطنية ، وليس محاباة الأجنبي على حساب أبناء البلاد. لم يتوقف الأمر للعمل على التنظيمات ، بل برزت التوابع التي برزت في ظهور دستور عام 1876، وبجهود الصدر الأعظم مدحت باشا، وتظهر حالة التأثير البالغ ، في النهاية المباشرة للعمل بالقوانين والتشريعات الإسلامية ، والتطلع نح النهل والنقل للكثير من البنود والمواد عن الدساتير الفرنسية والسويسرية والبلجيكية.ومن هذا التاريخ تكون الدولة العثمانية قد أنهت علاقتها التشريعية بالإسلام ، بل أن الكثير من أتباع الإمبراطورية راحوا ينددون بهذا العمل والذي عدوه نهاية للزعامة الدينية والمكانة الإسلامية التي كانت تحتلها السلطنة في قلوب المسلمين. على الرغم من ظهور حالة التنازلات الملفتة، التي بدرت عن السلطنة ، إلا أن القوى الأوربية كانت تمارس سياسة الضغط المتزايد في سبيل الحصول على المكاسب الأكبر في سبيل الخلاص من شبح الدولة العثمانية ، التي هددت القوى الأوربية في عقر دارها وعلى مدى زمني طويل ، ومن هذا كان اهتبل الفرصة من قبل روسيا القيصرية التي راحت تشدد على أهمية تطبيق الإدارة اللامركزية على ولايات الدولة ، فيما تركزت الضغوط الفرنسية في مجال تكريس نظام الملل العثماني. في ظل انحلال وغياب السلطة القادرة على المواجهة ورسم السياسات الواضحة، تعرض الواقع المالي والاقتصادي إلى الهزة العنيفة ، حتى انحطت العملة العثمانية وفقدت قيمتها على صعيد التداول والصرف،وكان للقفزات الصناعية والتجارية التي تحققت لأوربا، أن تبدت حالة من الغزو الاقتصادي والنهب المباشر لموارد السلطنة، بل أن نظام الامتيازات الأجنبية كان له الدور في حصول الرعايا المسيحيين واليهود على امتيازات ومكاسب أهلتهم أن يحظوا بالمكانة الرفيعة التي راحت تؤثر وبطريقة ملفتة على طريقة صنع القرار السياسي في البلاد.وبالقدر الذي كان التطلع نحو التحديث من قبل النخبة العثمانية، فإن الواقع كان يشير إلى حالة التسلل الاستعماري المباشر للأوربيين الذين حظوا بأكبر الامتيازات والحصص، حتى وضعوا أيديهم على مشاريع السكك الحديد والتعدين والبنوك والمصارف، بل وحتى حق التملك وشراء الأراضي داخل حدود السلطنة. الانغماس في التنظير على حساب قراءة الواقع بطريقة أصيلة ،والدهشة والرغبة العارمة بالتغيير السريع ، جعل من السلطنة نهبا للتجارب التي كانت غالبا ما تسقط في فخ الأخطاء المريرة، حتى تعرضت الخزينة إلى الإفلاس، ليصل معدل العجز في الميزانية عام 1861 إلى ما يقارب المائة والثلاثة ملايين فرنك، ليكون التوجه نحو سياسة القروض من الدول الأوربية ، ومن العام 1862 برزت للعيان ظاهرة تعيين مفوضين أوربيين ينحصر واجبهم في مراقبة أوجه الإنفاق للقروض المستحصلة.ولم يطل الأمر حتى شهد العام 1881 إنشاء صندوق الدين العثماني وبإشراف بريطاني – فرنسي، لتستأثر الدولتان باحتكار مجمل الفعاليات المتعلقة بالملح والطوابع والدمغة والكحوليات، والسيطرة على الموانئ والمناجم والتعدين، بعد أن بلغ مجموع الدين العام مائتي مليون جنيه. إشارات و إحالات:- 1.هاملتون جب وهارولد بون، المجتمع الإسلامي والغرب،ترجمة أحمد عبد الرحيم مصطفى، دار المعارف ، القاهرة 1970. 2.توفيق على برو ، العرب والترك في العهد الدستوري، معهد الدراسات العربية ، القاهرة 1966. 3.بازيلي، سورية ولبنان وفلسطين تحت الحكم التركي، ترجمة يسر جابر، دار الحداثة، بيروت 1988 4.سيار الجميل، العثمانيون وتكوين العرب الحديث، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1989. 5.رجب حراز، الدولة العثمانية وسبه جزيرة العرب، القاهرة 1970. 6.ساطع الحصري، الدولة العثمانية والبلاد العربية، دار العلم للملايين، بيروت 1960. 7.مجيد خدوري، الاتجاهات السياسية في العالم العربي، الدار المتحدة، بيروت 1985. 8.محمد كمال الدسوقي، الدولة العثمانية والمسألة الشرقية، دار الثقافة ، القاهرة 1976. 9.عبد الكريم رافق، العرب والعثمانيون 1516-1916، دمشق 1974. 10. عبد الكريم رافق، بلاد الشام ومصر من الفتح العثماني إلى حملة نابليون بونابرت، دمشق 1968. 11.محمود رئيف أفندي، التنظيمات الجديدة في الدولة العثمانية، تحقيق خالد زيادة، جروس برس، طرابلس 1985. 12.قيس جواد العزاوي، الدولة العثمانية قراءة جديدة لعوامل الانحطاط،الدار العربية للعلوم، بيروت 2003. 13.H.Batatu,The old social classes & revolutionary movements of Iraq, Princeton 1978. الفصل السادس التنافس الاستعماري على العالم العربي كان لنظام الامتيازات الذي ابتدأه سليمان القانوني مع القوى الأوربية، أثره الأهم في توسع النفوذ، حتى كان المفتتح عبر اتفاقية عام 1535 التي وقعت مع فرانسوا الأول ملك فرنسا، لتتبعها اتفاقية عام 1583 مع إنكلترا، ومن واقع الضعف والترهل الذي نال من السلطنة ، هذه الاتفاقيات التي سرعان ما تحولت إلى عبء ثقيل قيد مؤسسات الدولة ورهنها لصالح القوى المنافسة التي لم تتوان من استثمار نقاط الضعف وتكريس مجال الوهن، وما أن حل القرن الثامن عشر حتى راحت القوى الغربية تتطلع وبكثافة ملفتة نحو توسيع مجال المصالح، ومحاولة السيطرة على المنافذ والبقاع المختلفة من أملاك الإمبراطورية، وكان للتحولات الكبيرة التي برزت في أوربا ، حيث الثورة الصناعية، الدور الأهم في التطلع الشديد والحثيث نحو البحث عن المواد الأولية ،وأسواق تصريف البضائع. وبالقدر الذي وفقت فيه السلطنة إلى عقد معاهدة كارلوفتز عام 1699، من أجل وقف التصادم مع القوى الغربية ، فإن حالة المواجهة سرعان ما تصاعدت بازاء روسيا القيصرية، حتى كان توقيع معاهدة كوجك كينارجي عام 1774، والتي منحت الروس المزيد من النفوذ في الدولة العثمانية والكثير من الامتيازات إلى الحد الذي راحت تتدخل في الشؤون الداخلية للسلطنة ، تحت دعوى حماية المسيحيين في بعض ولايات الدولة.وكان لهذا الأمر وقعه المحفز لدى فرنسا وإنكلترا في سبيل توقيع معاهدة فينا عام 1815، حيث الرغبة في الإبقاء على ما تبقى من جسد أملاك الدولة العثمانية، لأسباب تتعلق بمصالح تلك الدولتين، وهذا ما أفصحت عنه الوقائع اللاحقة والتي كشفت عن حدة التنافس بين الطرفين من أجل الاستحواذ والسيطرة على أملاك الدولة. الخليج العربي كان لاكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، على يد المستكشف البرتغالي فاسكو دي غاما عام 1498، دوره المباشر في تسلل القوى الأوربية نحو الشرق، وثوبا إلى الهند حيث البحث المحموم عن التوابل والبضائع الثمينة، التي كان يسيطر على حركتها التجار الشرقيون، المسلمون منهم تحديدا، فكانت الضربة في الصميم التي تعرضت لها مجمل القوى السياسية الإسلامية ، حين راحت السفن البرتغالية تفرض بحضورها وسطوتها على مجمل الفعاليات التجارية ، منذ بواكير القرن السادس عشر. وما أن أطل القرن السابع عشر حتى راجت القوى الأوربية الأخرى تتنافس وبكل ما أوتيت من قوة للحظوة بهذا المغنم الذي يدر الأرباح العظيمة ، لا سيما وأن البرتغاليين تعرضوا للوهن والضعف ليتجلى الحضور الهولندي والإنكليزي والفرنسي، حيث برزت للعمل توصيفات من نوع (( شركة الهند الشرقية)) والتي يعقبها اسم البلاد المتطلعة للتجارة مع الشرق، والواقع أن الإصرار على هذه التسمية ، إنما جاءت في أعقاب القراءة المتأنية لواقع التجربة البرتغالية، التي ركزت على الفعالية العسكرية ، في حين أن القوى اللاحقة عمدت نحو تقديم الواجهة التجارية، وعلى الرغم من التركيز الذي بدر عن هذه القوى، في أهمية السعي إلى الهند، إلا أن واقع الممارسة العملية ، أفرزت أهمية موقع الخليج العربي باعتباره نقطة وثوب على الطرق البحري، والقيمة القصوى التي يحتلها في السيطرة على الحدود الجنوبية للقوى الإسلامية في المنطقة من عثمانية وصفوية وقوى محلية. البوسعيد في مسقط شهدت أواخر القرن السابع عشر هيمنة إنكليزية واسعة على مجمل النشاط التجاري والسياسي في الخليج العربي،لكن هذه الهيمنة لم تمنع من تسلل النشاط الفرنسي في المنطقة ، باعتبار التنافس الحاد الذي كان يدور بين الطرفين في أعقاب الثورة الفرنسية عام 1789.والواقع أن حدة التنافس إنما يعود لطبيعة التوتر بين القوتين ، إن كان على مستوى الصراعات المباشرة ، كما حدث في حرب السنوات السبع1756-1763، أو في ظل الاحتراب الذي نشب نتيجة الاختلاف في النظام السياسي والذي تجلى في حرب 1793، والتي كانت من العوامل التي حفزت الجانب الفرنسي نحو ملاحقة النفوذ الإنكليزي، في الخليج العربي ، حتى وجدوا ضالتهم في حكم البوسعيديين في مسقط، الذين برزوا في سدة الحكم في أعقاب نهاية دولة اليعاربة عام 1741 . ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل راحت الجهود تتصاعد حول تفعيل دور القنصل الفرنسي في بغداد، والبحث عن التنسيق للجهود مع حاكم حيدر آباد في الهند الذي كان يقف بالضد من الوجود البريطاني. كان للحملة الفرنسية على مصر عام 1798، أثرها المفيد في نجاح الدعاية البريطانية المضادة لأي نفوذ فرنسي في المجال العربي والإسلامي، حيث كانت الإشارة إلى مخاطر هذا النفوذ الساعي نحو السيطرة المباشرة على البلاد العربية.وإذا كان الفرنسيون قد حققوا نفوذا لهم عند البوسعيديين ، فإن الحملة على مصر، كان لها وقعها المباشر في نجاح المفاوضات البريطانية- العمانية ، التي أثمرت عن توقيع اتفاقية أكتوبر عام 1798، والتي أشارت إلى قطع العلاقات العمانية – الفرنسية، الوقوف على الحياد في حل قيام صدام بين الفرنسيين والبريطانيين،ومنح البريطانيين إذن بإقامة وكالة تجارية في بندر عباس الذي كان يتبع لنفوذ العمانيين. على الرغم من المعاهدة التي تم عقدها مع عمان إلا أن الإنكليز ظلوا يحاولون تعميق الاتفاق من خلال الدور الذي أداه جون مالكولم الوكيل الإنكليزي في فارس، والذي تمكن من عقد معاهدة جديدة مع سلطنة مسقط، في يناير 1800، في أعقاب الانتصار الذي تحقق للإنكليز على الفرنسيين في معركة أبو قير، والتهديد المباشر للعمانيين ، حول إمكانية غلق موانئ الهند بوجه التجارة العمانية ، ومن هذا لم يجد سلطان بن أحمد بدا من التوقيع، حيث سمح بإقامة وكالة إنكليزية عين فيها المستر بوجل في مسقط، وتقديم إعفاء للتجار الإنكليز من الخضوع للقوانين العمانية. الإصرار الإنكليزي على ربط عمان بالمعاهدات ، لم يمنع سلطان بن أحمد من التطلع نحو العلاقة مع الفرنسيين، لا سيما وأن الصدام العماني – السعودي، راح يتبدى على الواقع ، حتى كان الموقف الإنكليزي من الصراع ، والمتمثل في رفض التدخل في المنازعات الداخلية، بل أنهم رفضوا ارسال قوة مدفعية من أجل مواجهة الهجمات السعودية.ومن هذا لم يتردد حاكم مسقط من الاتصال بالجانب الفرنسي، ليطلب منه المساعدة ، من أجل اعداد حملة عسكرية باتجاه البحرين عام 1801، ولم يقف التعاون عند هذا الحد، بل كان الطلب بوضع مسقط تحت الحماية الفرنسية عام 1803أصحاب النفوذ والوجود الكبير في جزيرة مورشيوس.بالإضافة إلى المراسلات المباشرة مع نابليون بونابرت والتي يعبر فيها عن عمق ارتباطه بالفرنسيين. بقي البوسعيديين في دوام التنافس الفرنسي – الإنكليزي، حتى أن سلطان بن أحمد حاول التوفيق بين القوتين ، من خلال الاعتذار عن استقبال المندوب الفرنسي الذي أرسلته حكومته عام 1803، عبر الإشارة إلى الخطر الذي يهدد المصالح العمانية ، حيث وجود سفنهم في الملبار والبنغال ، ما يعني خلق مواجهة لا تحمد عقباها مع الإنكليز.وما أن بلغ الحكم بدر بن سيف عام 1805، برز التقارب العماني – السعودي. والذي خلق قلقا لدى الإنكليز حول نفوذهم في المنطقة، لكن هذا التحالف لم يدم طويلا ، إذ وصل الحكم السيد سعيد، الذي فشل في توطيد أواصر العلاقة مع الفرنسيين ، ليتجه بكل ثقله نحو الإنكليز، حتى أنه طلب معونتهم في مواجهة السعوديين، والواقع أن النفوذ الإنكليزي في منطقة المحيط الهندي راح يتوسع ويتركز على حساب الوجود الفرنسي منذ العام 1810. القواسم برز القواسم كقوة مستقلة منذ العم 1741، عندما تمكن السيخ رحمة بن مطر من إعلان إمارته، بعد نيل الاعتراف من قبل أحمد بن سعيد مؤسس الدولة البوسعيدية، ومن واقع الجهود التي بذلها الشيخ ، فقد قيض له أن يجعل من رأس الخيمة بمثابة العاصمة له منذ العام 1765، لتبدأ الفعاليات الحربية الجريئة ضد الأسطول البوسعيدي، ومن واقع هذا النشاط فإنهم لم يتوانوا عن توسيع نفوذهم الذي شمل جزيرة قشم إبان حكم سلطان بن أحمد،بل أن نفوذهم بلغ لنجة .وقد تمكن الشيخ سلطان بن صقر من تعزيز علاقته مع السعوديين منذ العام 1799، حتى أنه تبنى الدعوة السلفية، لتبدأ منذ هذا التاريخ المزيد من الفعاليات الحربية، والتي ارتبطت بفكرة الجهاد ضد القوى الصليبية.وكان العام 1805 قد شهد جملة من الهجمات على السفن الإنكليزية، فيما راح سلطان بن أحمد يطلب المساعدة من الحكومة الإنكليزية في الهند من أجل مواجهة خطر التحالف السعودي – القاسمي، الذي راح يهدد البوسعيديين . تعامل الإنكليز بحذر شديد مع التطورات التي شهدتها المنطقة ، فهم كانوا بأشد الحرص على مصالحهم، لا يما فيما يتعلق بطريق البريد الري الذي يمر عبر البصرة فحلب حتى سواحل البحر المتوسط. ومن هذا اتجهت حملة الكابتن سكنر عام 1805، وبمساعدة الأسطول البوسعيدي، من أجل ضرب سفن القاسم ، من أجل تحييدهم في المنطقة. ومن هذا اضطر القواسم لتوقيع معاهدة 1806، الذين تعهدوا من خلالها بعدم التعرض للسفن الإنكليزية،وإرجاع الغنائم السابقة، وتقديم المساعدة للسفن التي تلجأ لهم. لم يخضع القواسم لشروط المعاهدة الإنكليزية، فما أن أطل العام 1808، حتى عادت الهجمات تتلاحق على السفن الإنكليزية، ليتم الاستيلاء على السفينة مينرفا التي كانت متوجهة نحو البصرة، والتي لم يتم إعادتها إلا بعد الحصول على الفدية ، فيما تعرض مركب آخر إلى التحطم الكامل.وقد بلغ الأمر أن طالب الشيخ سلطان بن صقر من الإنكليز دفع الرسوم المالية ، إذا أرادوا الاستمرار في التجارة داخل الخليج العربي،وبالفعل لم يتردد الإنكليز من الموافقة على هذا الطلب، والذي يصب في فكرة محاولة كسب الوقت وتهيئة القوة الضاربة.حتى كانت حملة الكابتن سميث ، والتي تم تجهيزها عام 1809، وبتنسيق مع السيد سعيد، وكان الهدف الإنكليزي قد ركز على أهمية تجنب الاصطدام مع القوات السعودية ، ومن هذا توجهت الحملة نحو قصف رأس الخيمة،وتدمير الأسطول القاسمي، وعلى الرغم من الضربة الشديدة التي تلقاها القواسم ، إلا أنها لم تختم بمعاهدة.بل أن القواسم سرعان ما تمكنوا من إعادة تنظيم صفوفهم، وراحوا يتوسعون في نشاطاتهم المناوئة للوجود الإنكليزي خلال الفترة 1811- 1818،حتى راحوا ينفذون عملياتهم البحرية في المحيط الهندي، وبالقرب من السواحل الهندية . ومن واقع التطورات السياسية التي شهدتها المنطقة، لا سيما النهاية التي تعرضت لها الدولة السعودية الأولى على يد قوات محمد علي باشا عام 1818، والتحريض المستمر من قبل دولة البوسعيد، توجهت الحملة الإنكليزية للقضاء النهائي عليهم عام 1819، والتي أسفرت عن توقيع معاهدة 1820، تلك المعاهدة التي أعلنت عن بداية تركيز النفوذ الإنكليزي في المنطقة ، بعد أن شملت معظم الكيانات السياسية المحلية في المنطقة. السعوديون طبعت العلاقة السعودية – الإنكليزية بالتوتر والحذر الشديد، لا سيما عندما نقل الإنكليز مقرهم التجاري من البصرة إلى الكويت عام 1794.حتى أنهم اضطروا لتوفير قوات حماية لمواجهة الغارات السعودية التي كانت تتم على الكويت.لكن المصالح بقيت الموجه الرئيس في دفع العلاقة ، حيث حرص الإنكليز على تحسين العلاقة باعتبار الرغبة في تأمين طريق البريد، ومن هذا أرسلوا مندوبا إلى العاصمة الدرعية في سبيل التفاوض مع الأمير عبد العزيز بن محمد على تأمين طريق البريد في العام 1799. حرص الإنكليز على محاولة تحسين علاقتهم مع السعوديين ، ومن هذا راحوا يبررون طريقة تعاملهم مع القواسم حلفاء السعوديين الأشداء، باعتبار هجماتهم المتكررة على السفن الإنكليزية.بل أنهم أشاروا على الوكيل الإنكليزي في بوشهر بأهمية الذهاب إلى الدرعية وشرح أوضاع العلاقة والرغبة الشديدة الصادرة عن الإنكليز في توطيد أواصر العلاقة.من جانبهم لم يرغب السعوديين في تأجيج الموقف مع الإنكليز هذا بحساب انشغالهم بمحاولة توطيد نفوذهم بالمنطقة، ومن هذا حرص الأمير على استضافة سلطان بن صقر في الدرعية عام 1810، ليضع واليا سعوديا على رأس الخيمة، ومن هذا لم يتردد من الاتصال بالجانب الإنكليزي ليخبرهم بإمكانية العمل في مياه الخليج العربي من أن يتعرضوا لخطر الهجمات المفاجئة التي كانت تشن عليهم من قبل القواسم. تمثل موقف الإنكليز في محاولة تحسين علاقتهم مع دولة البوسعيديين، من دون أن يؤثر هذا على طبيعة العلاقة مع السعوديين، وكان السعوديون يعون جيدا طبيعة العلاقة القائمة بين الإنكليز والبوسعيديين، إلا أنهم حاولوا تحاشي تصعيد الموقف معهم.وعلى الرغم من سعي الأمير سعود نحو توثيق العلاقة مع الإنكليز من خلال معاهدة رسمية ، إلا أن حكومة بومباي حاولت كسب الوقت وتأجيل الرد ، باعتبار ترصدها لحالة التوتر القائمة بين السعوديين والعثمانيين ، وما يمكن أن ينجم عنه من نتائج. سعى الفرنسيون للاتصال بالسوديين في العام 1808، من خلال نشاط البعثة التي وصلت الخليج العربي،وكان هدفهم يقوم على أهمية الحث في قطع طريق البريد الإنكليزي، إلا أن البعثة خلصت في تقريرها النهائي إلى عدم جدوى التنافس مع الإنكليز في المنطقة ، فقد بلغ النفوذ أقصاه.بل أن العام 1810 كان قد شهد سيطرة إنكليزية على الجزر الفرنسية مورشيوس وبوربون، فيما كان للهزيمة التي تعرضت لها جيوش نابليون في روسيا عام 1812، نهاية للطموحات الفرنسية في منطقة الجنوب العربي. طريق السويس تركز التنافس الفرنسي – الإنكليزي حول الوصول إلى الهند، ومن هذا لم يأل الجانب الفرنسي جهدا إلا وبذله، وهكذا برزت أهمية طريق السويس البري الواصل بين البحرين المتوسط والأحمر،والذي أهتم به الملك لويس الخامس عشر بشكل ملحوظ ، وراح ينسق الجهود مع الدولة العثمانية منذ العام 1741.ومن واقع استقراء النشاطات لم يتردد الإنكليز من التطلع نحو تنشيط طريق البحر الأحمر، بعد أن تراجعت القوى الإسلامية التي كنت تسيطر على الطريق،فيما كان للنشاط الذي بذله علي بك الكبير عبر سيطرته على الحجاز، قد فتح الجهود الإنكليزية للتفاهم عبر الجهود التي بذلها بروس، والتي أثمرت عن توقيع اتفاقية 1773، ليفتح البحر الأحمر وللمرة الأولى أمام الملاحة للسفن الأجنبية بعد أن كان مقصورا على السفن الإسلامية.وبعد وصول محمد بك أبو الذهب إلى سدة الحكم في مصر، قام المستر بروس بعقد معاهدة جديدة عام 1775، تم بموجبها خفض الضريبة الجمركية بحق البضائع القادمة من الهند.لكن المعاهدة هذه تعرضت للتوقف في أعقاب وفاة أبو الذهب عام 1776،ليدخل الفرنسيون إلى حلبة التنافس بكل زخمهم حتى قيض لهم التنسيق مع مختلف الهيئات العاملة في المنطقة، ليحصلوا على المزيد من المزايا، والواقع أن الفرنسيين حرصوا على السيطرة على البحر الأحمر باعتباره الوسيلة التي يمكن من خلالها إحكام السيطرة على الإنكليز في سبيل طردهم من الهند، حتى كانت حملة نابليون عام 1798 على مصر، بمثابة التصديق للنوايا والغايات، حيث وصلت بعثة علمية اتجهت نحو دراسة إمكانية ربط البحرين الأحمر والمتوسط، من خلال قناة.لكن هذه التطلعات سرعان ما تبددت في أعقاب الهزيمة التي تعرضوا لها في معركة أبو قير وبلاد الشام. من واقع الوعي الإنكليزي لأهمية طريق البحر الأحمر، كان السعي نحو السيطرة على المنافذ الواصلة إليه، حتى شهد العام 1799 سيطرة على جزيرة بريم الواقعة بالقرب من باب المندب.فيما توجهت نحو السيطرة على ميناء المخا في اليمن، أعقبتها بتوقيع اتفاقية مع لحج وعدن عام 1802.واستمرار لهذه الجهود كان التطلع نحو السيطرة على ميناء عدن عام 1839. العراق في ضوء التنافس الحاد الذي برز بين القوى الكبرى ، حاولت فرنسا توطيد أواصر نفوذها من جديد في البلاط العثماني،وكانت قد ركزت الجهود نحو إعادة السيطرة على مصر التي فقدتها في أعقاب فشل الحملة النابوليونية، بالإضافة إلى سعيها محو البحث عن نفوذ جديد في العراق، بوصفه يحتل الأهمية المتزايدة في الإستراتيجية الإنكليزية، حيث الطريق البريدي والتجاري البري الواصل بين الشرق والغرب. وهكذا يحرص السفير الفرنسي في استنبول على إقناع السلطان بتعيين المملوك سليمان في توليته للعراق عام 1808.لكن الطموحات الواسعة لنابليون وأعماله العسكرية في أوربا، فسحت الطريق أمام الإنكليز للتوجه نحو الشرق والعمل بحرية أوسع، ومن هذا سارعت حكومة الهند الإنكليزية إلى إيفاد المستر ريتش إلى بغداد وتعيينه قنصلا عاما لها ، وكانت المهمة أساسية له قد تركزت حول محاصرة لنفوذ الفرنسي، من خلال مواجهة سليمان باشا، حيث راح يعمل على تحريض القوى المحلية من قبائل كردية وعربية، لينتهي دور الوالي في العام 1810. بوصول داود باشا إلى منصب والي بغداد 1817، بعد التحالف مع الإمارة البابانية الكردية، ليجد جملة من المشاكل العالقة والتي كان أبرزها يقوم على الأطماع الفارسية في ولاية بغداد، والنفوذ الإنكليزي المتعاظم،حيث مثل الإنكليز مقيم لهم منذ العام 1798 ،والذي لم يتوقف عند فرض المصالح بل تخطاه نحو المحاولات التي راحت تبدر عن القنصل الإنكليزي، الذي تم تعيينه في بغداد عام1808 نحو فصل الإمارة البابانية عن ولاية العراق، وكانت التجارة الإنكليزية قد شهدت توسعا لافتا، فيما تمت العناية بالطريق البري المار بالعراق ، في أعقاب الحملة البونابرتية على مصر. ومن واقع التدخلات السافرة التي كان يجنح إليها القنصل الإنكليزي، وقوة الشخصية التي يتمتع بها الوالي داود، والذي راح يصر على أهمية الضرائب وعدم التهاون فيها بالنسبة لطريقة التعامل مع التجارة الأجنبية ، يكون الصدام، قد بلغ الطريق المسدود، والذي نجم عنه إقالة المستر ريتش من منصبه عام 1821. ما تحقق لداود باشا من نصر على النفوذ الإنكليزي، لم يكن له أن يمر من دون عواقب، ومن هذا بدأ الإنكليز بممارسة الضغوط والتي تبدت في التحكم بكميات البضائع والحاجات الأساسية المصدرة إلى العراق، كنوع من العقوبة له، وبالفعل كان لهذه الوسيلة دورها في بروز حالة من التفاهم بين الطرفين عام 1822،والتي أقر داود باشا من خلالها، أهمية النفوذ الإنكليزي في العراق والعمل على تحديد الرسوم الجمركية، والتي كانت تمثل أس الإشكال في العلاقة القائمة بين الطرفين ، وكان القنصل الجديد تايلور قد بدأ مرحلة مختلفة من العلاقة ، التي أثارت حفيظة السلطان العثماني، لا سيما وأن الطموحات الواسعة راحت تتبدى من قبل داود باشا حول التوسع بالمشاريع الجديدة، مثل مشروع الملاحة النهرية في دجلة والفرات ، وتحديث بنية الولاية، على الصعيد العسكري والتسليحي والإداري.متأثرا بتجربة محمد علي باشا في مصر. كانت البعثات الإنكليزية قد بدأت بالتوافد على العراق عام 1830، ومتوجهة نحو دراسة إمكانية الملاحة في نهر الفرات ، وما أن حل العام 1834 حتى تم الحصول على موافقة السلطان باستخدام باخرتين للعمل في النهر.بل أن اللجنة المكلفة بدراسة الطريق وجهت توصيتها عام 1836، بصلاحية النهر للملاحة التجارية. وما أن حل العم 1861 حتى تم الإعلان عن تأسيس شركة لينج للملاحة النهرية، فيما شهدت الأعوام 1841- 1849 جهودا حثيثة نحو إنشاء سكة حديد بالقرب من وادي الفرات، لكن افتتاح قناة السويس عام 1869 عطل هذا المشروع بعد انتفاء الحاجة له.لكن ما تحقق على سدة الواقع كان مشروع خطوط التلغراف حيث ربط استنبول ببغداد عام 1861. الحملة الفرنسية على مصر والشام يحضر التنافس – البريطاني بقوة لافتة في حفز مشروع الحملة، فالتنافس على طريق الشرق كان يمثل الهاجس الأشد حضورا لدى هاتين القوتين، اللتان تسيد كل منهما مجالا ونشاطا خاصا، فالفرنسيون برعوا في مجال القتال البري، فيما وضح الدور البريطاني في المجال البحري.وإذا كان توزيع العلاقات والتنافس على مراكز النفوذ قد بلغ مداه بين الطرفين باعتبار محاولة اقتسام أملاك الدولة العثمانية التي راحت تعاني من الترهل والوهن والضعف، فإن الواقع الدولي كان يفترض الإستناد إلى مبرر شرعي للتحرك م أجل الهيمنة والسيطرة ، وهكذا لم يفوت الفرنسيون الفرصة في تكثيف التوجه نحو مصر ، من خلال التصعيد لموقف المماليك من النشاط التجاري الفرنسي، بل أن المزيد من الشكاوى ، باتت تصل إلى العاصمة الفرنسية حول الإساءة والضغوط التي تمارس بحق التجار، ومن هذا تم تعيين المسيو ماجلون في منصب القنصل العام في القاهرة عام 1793.لتبدأ مرحلة التحريض من قبل القنصل على أهمية احتلال مصر ، من خلال تعداد المزايا التي يمكن الحصول عليها، باعتبار أهميتها كطريق وصل بين الشرق والغرب، وقيمتها في مواجهة البريطانيين، بالإضافة إلى مايمكن جنيه من أرباح وفوائد اقتصادية جمة ، باعتبار الخيرات التي تزخر بها. لم يتردد القنصل من حمل تقريره بنفسه ليرحل به إلى العاصمة عام 1797 ، حاثا رجال الحكومة على ضرورة تنفيذ مشروعه، وراح يتصل برجال القرار السياسي بحماس ملفت ، مشيرا على الضعف الواضح للقوات المملوكية المتواجدة في مصر ، ولم يطل الأمر حتى وفق لإقناع وزارة الخارجية التي قررت الموافقة على المشروع لتنيط قيادة الحملة بنابليون بونابرت في أبريل 1798. وكانت مبررات الحملة قد ركزت على التوجه نحو تأديب قوات المماليك الذين أساءوا معاملة التجار الفرنسيين وأضروا بمصالحهم من خلال توطيد العلاقة مع الجانب البريطاني الذين أعلنوا العداء السافر من خلال قطع طريق راس الرجاء الصالح على الأسطول الفرنسي، ومن هذا فإن الطموح والغاية تتطلع ليس إلى السيطرة على مصر فحسب، بل يكون التطلع نحو قطع طريق الشرق على البريطانيين. أعد نابليون جيشا مكونا من 36 ألف مقاتل، بالإضافة إلى تجهيز حملة علمية مكونة من مائة وست وأربعين عالما في مختلف مجالات المعرفة العلمية ، وفي شهر مايو تحركت الحملة من ميناء طولون متجهة نحو احتلال جزية مالطة التي تم احتلالها في التاسع من يونيو، وما أن حل شهر يوليو - حزيران حتى وصلت طلائع الحملة مدينة الإسكندرية. لتتقدم القوات نحو القاهرة حيث تم الصدام مع قوات مراد بك في الثالث عشر من يوليو كانت نتيجته انكسار جيش المماليك، الذي انسحب باتجاه الجنوب، ليكون اللقاء الثاني يوم الحادي والعشرين من يوليو حيث معركة الأهرام والتي آلت إلى الهزيمة النهائية للجيش المملوكي. في ضوء هرب قوات المماليك ، تحمل السراة والوجهاء والمشايخ أمر تدبير شؤون البلاد وتسليمها إلى القوات الفرنسية التي دخلت القاهرة في الرابع والعشرين من يوليو.ولم يغب عن نابليون التأكيد للمشايخ والوجهاء أن الحملة هذه إنما جاءت لتأديب المماليك الذين أساءوا التعامل مع المصالح الفرنسية. مع تقديم تقديره واحترامه العميقين للدين الإسلامي والحضارة المصرية العريقة، وأن السعي الأكبر يقوم على أهمية إنشاء حكومة أهلية تقوم على تدبير شؤون البلاد.ولم يتردد نابليون عن المشاركة في احتفالات المصريين الدينية ، حيث أقيم احتفال ديني كبير بمناسبة المولد النبوي الشريف، والتأكيد على أهمية احترام العادات والتقاليد السائدة.إلا أن هذا الأسلوب لم يكن لينطلي على المصريين الذين يعون جيدا، حفز الأطماع التي جعلت من الفرنسيين يتوجهون من خلالها نحو بلادهم. في أعقاب تعرض الأسطول الفرنسي للدمار على يد البريطانيين في أبي قير ، أعلن السلطان العثماني قطع العلاقات مع فرنسا ، ليعلن تحالفه مع روسيا وبريطانيا، فيما بدأت الإجراءات نحو إعداد حملة عسكرية غايتها تحرير مصر من الفرنسيين، ولمواجهة هذا الموقف سارع نابليون نحو توجيه قواته نحو السواحل الشامية في فبراير – شباط 1799، ليواجه المقاومة العنيفة من قبل مدينة عكا التي صمدت بعد أن حصلت على الدعم من قبل البريطانيين ، لكنه تمكن من تحقيق انتصار على القوات العثمانية بالقرب من عكا في شهر نيسان، ليعود إلى القاهرة ومنها إلى باريس التي وصلها في أكتوبر . آلت قيادة الجيش إلى كليبر الذي كان يرى أهمية الانسحاب من مصر، لا سيما وأن الأوضاع التي كانت تمر بها البلاد لا تدعو إلى أي تفاؤل . حيث الحصار البريطاني والنقص الشديد في الأموال والرفض الشديد من قبل الأهالي للوجود الفرنسي. ومن هذا الواقع بدأت مفاوضات العريش في يناير 1800، التي تمخضت عن جلاء الفرنسيين بكل سلاحهم ومن دون أن يتعرضوا للملاحقة،لكن المعاهدة هذه لم تنل قبول البريطانيين الذين سارعوا إلى إفشالها، لتتعقد الأوضاع وتندلع ثورة القاهرة الثانية والتي استخدم فيها كليبر القسوة المفرطة بازاء الشعب المصري. وصل مينو إلى منصب قيادة الجيش الفرنسي في مصر ، بعد تعرض كليبر للإغتيال في يونيو 1800، وقد تطلع القائد الجديد نحو توسيع النفوذ الفرنسي ، من خلال القيام ببعض الأعمال الإدارية والتنظيمية ، حتى أنه أقدم على معالجة الأوضاع المالية للبلاد من خلال دراسة نظام الالتزام ، الذي وجد فيه المزيد من الأخطاء والتداخلات.وإذا كان مينو قد عبر عن خبرة إدارية فإن قدراته الحربية والعسكرية تعد متواضعة ، حتى أنه لم يتمكن من الصمود بازاء تحرك القوات العثمانية والبريطانية، حيث قيض لهم تحقيق النصر في معركة أبي قير في مارس 1801 ، وما أن حل شهر سبتمبر –أيلول حتى خرجت القوات الفرنسية مصر. مثلت الحملة الفرنسية على مصر لقاء مباشرا بين الثقافتين الشرقية والغربية ، حيث الاتصال الذي لم يقف عند مستوى المصالح السياسية والتجارية ، بل تخطاه نحو الغور في التفاصيل الثقافية والاجتماعية ، ولعل الدور الذي لعبه العلماء الذين قدموا مع الحملة في الكشف عن المزيد من الأفكار العظيمة ، والتي غيرت من وجه العلاقات في العالم ،ولعل الأبرز منها وضع التصاميم والتفاصيل الخاصة بمشروع قناة السويس ، بالإضافة إلى الكشف عن حجر رشيد الذي مهد للكشف عن أسرار الحضارة الفرعونية.أو التنظيمات الإدارية والمشاريع الخدمية التي تم وضعها في الصحة وبدايات التعليم والطباعة والصحافة، والعناية بوضع مشاريع الري وإنشاء المصانع الخاصة بالبارود والنسيج والصابون. المسألة المصرية وظهور محمد علي باشا على الرغم من الانسحاب الفرنسي من مصر ، إلا أن حالة الاضطراب بقيت تفرض بحضورها الشديد، حيث التنافس بين القوتين الفرنسية والبريطانية بقيت ماثلة بكل قوة.بل أن الخطر راح ينال من الدولة العثمانية ذاتها، ولم ينقذها من الخطر الداهم سوى حالة التردي التي شهدتها العلاقات الروسية – الفرنسية، وتوجهات نابليون العسكرية المبالغ فيها في سبيل إحكام قبضته على أوربا ، والتي أسفرت في النهاية عن هزيمة نابليون في معركة واترلو عام 1815. عانت مصر في أعقاب الجلاء الفرنسي من أراضيها لحالة من الصراع بين القوى التي تواجدت فيها، حيث البريطانيون والعثمانيون والمماليك، هذه القوى الثلاث التي راحت تعقد أواصر التحالفات الفرعية، والعمل للبحث عن مواطن للقوة والحضور ، على حساب الواقع المصري الذي راح يعاني من الفوضى والاضطراب، الذي مكن محمد علي باشا من استثماره وبالتالي التمكن من التقرب من القوى المؤثرة ، وبجهود القوات الألبانية القوية والمترابطة، ليعلن نفسه واليا على مصر في مايو 1805. برز الصراع والتنافس الشديد بين الباب العالي الذي أراد استعادة نفوذه على مصر ، والمماليك الذين أرادوا استعادة سيطرتهم السابقة على البلاد.ومن هذا التنافس لمحتدم ، تم فتح الباب أما القوتين البريطانية والفرنسية من التدخل في الشؤون الداخلية ،بل أن المماليك ذاتهم انقسموا وفقا للميول والمصالح ، حتى تطلع عثمان بك البرديسي وإبراهيم بك نحو طلب المعونة والمساعدة من قبل الفرنسيين ، فيما توجه الألفي بك إلى البريطانيين من أجل دعمه والوقوف إلى صفه. لم يؤد صلح أميان الذي تم توقيعه بين الفرنسيين والبريطانيين عام 1802، إلى نهاية التنافس بين الطرفين ، أو حتى احترام وحدة الكيان السياسي للدولة العثمانية، الذي نص عليه الاتفاق، بل أن البريطانيين ظلوا متواجدين على الأرض المصرية خلافا لبنود الصلح.وإزاء هذا الحال أرسل نابليون الذي تقلد منصب القنصل الأول ، مبعوثا خاصا إلى مصر في يناير 1803 لدراسة الأوضاع والاتصال بالبريطانيين من أجل الجلاء ، والعمل على تهدئة الأوضاع بين الوالي محمد خسرو والمماليك. بجلاء القوات البريطانية من مصر في مارس- آذار 1803، تمكن محمد علي باشا من التحالف مع القوى المملوكية للقضاء على الوالي علي باشا الجزايرلي، الذي تم قتله في يناير 1804. ومن هذا لم يتردد محمد علي من التوجه وبكل ثقله للتوجه نحو توطيد علاقته مع الفرنسيين، باعتبار التخلص من عدوه الألفي بك صاحب الميول البريطانية، ومحاول تحسين موقفه أمام السلطان بعد حادثة قتل الوالي.لكن الفرنسيين لم يتمكنوا من استثمار هذا الموقف الصادر عن محمد علي ، بعكس الموقف البريطاني الذي تجلى في محاولة التوفيق بين سلطتي المماليك والسلطان العثماني. كان لإقدام السلطان العثماني على الاعتراف بلقب نابليون الإمبراطوري في فبراير – شباط 1806، وتثبت محمد علي باشا واليا على مصر في سبتمبر – أيلول 1806، دوره المؤثر في توجه البريطانيين نحو منع الفرنسيين من الوصول إلى الأراضي المصرية، فكانت حملة الجنرال فريزر التي توجهت نحو احتلال الإسكندرية في مارس 1807.وكانت الأوامر تؤكد على البقاء في الإسكندرية من دون التوغل في العمق المصري.وإذا كانت الأوامر قد وصلت إلى فريزر بأهمية البقاء في منطقة الساحل، فإن الواقع العسكري والتمويني فرض عليه التوغل نحو منطقة رشيد في سبيل الحصول على الموارد اللازمة التي يحتاجها الجيش المحتل.هذا بالإضافة إلى حالة التردد التي طغت على قوات المماليك المؤيدين للوجود البريطاني في تقديم المساعدة لهم.ومن هذا الواقع باشر فريزر تحركه نحو السيطرة على رشيد في شهر مارس –آذار، لتمنى قواته بهزيمة مريرة.ليعقبها بحملة ثانية تعرضت هي الأخرى للهزيمة، فيما شهد شهر أبريل- نيسان هزيمة منكرة أخرى لقوات فريزر في معركة الحماد.يضاف إلى هذا توقيع معاهدة تلست بين اسكندر الأول قيصر روسيا ونابليون في يوليو – تموز 1807، والتي جعلت من البريطانيين يعملون نحو إعادة النظر في طبيعة علاقتهم مع العثمانيين، ليبرز للعيان اتفاق سبتمبر -أيلول بين فريزر ومحمد علي باشا، الذي أشار على جلاء البريطانيين ، وتمكن محمد علي باشا من بسط هيمنته على مصر. الاحتلال الفرنسي للجزائر ارتبطت الجزائر بالدولة العثمانية منذ العام 1518، هذا بحساب العلاقة الإسلامية التي تجمع الطرفين ، وبروز حالة النضال المشترك ضد القوى الأوربية التي راحت تركز نشاطاتها في سواحل البحر المتوسط. إلا أن الارتباط هذا بقي اسميا، فالدايات الذين حكموا المنطقة تمتعوا بالمزيد من الحرية والاستقلال، الذي يكفل لهم التعامل مع القوى الدولية وعقد المعاهدات المختلفة من دون الرجوع إلى استشارة السلطان العثماني.بل أن الإستقلال في تصريف شؤون الموارد كان من العلامات الفارقة التي ميزت طريقة الحكم في الجزائر ، هذا بحساب حالة لجهاد البحري الذي كانت تقوده بوجه القوى الأوربية ، لا سيما على صعيد المقاومة والجهاد البحري. تعرضت الولاية لبروز حالة من الفوضى والاضطراب الاقتصادي في بدايات القرن الثامن عشر ، بل أن الفعاليات التجارية تعرضت لهجمات السفن الأوربية حتى توقفت الحياة الاقتصادية ، لتسود حالة من التنافس الشديد بين رجال الحكم.الأمر الذي مهد لتدخل القوى الأوربية في الشؤون الداخلية من خلال عقد الاتفاقيات الفرعية ، والتي كان لها الدور الواضح في بروز حالة من الوهن والضعف الذي ساد العلاقة بين النخبة الحاكمة والشعب الجزائري.وكان لهذا الحال أن راحت بعض القوى الأوربية تفكر وبجدية واضحة نحو ترحيل مشكلاتها وتناقضاتها الداخلية، إلى مناطق أخرى، فكانت الجزائر بمثابة الحل النموذجي الذي تهيأ لشارل العاشر ملك فرنسا الذي وصل الحكم بتأييد القوى الأجنبية عام 1824، ولم ينل سوى السخط والتبرم من قبل الشعب الفرنسي ، الذي اعتبره عقبة في وجه الحياة البرلمانية والدستورية. كانت المغامرات النابوليونية قد كبدت فرنسا الكثير من الخسائر ، حتى بات أمر البحث في التعويض من الشواغل الرئيسة لدى رجال النخبة السياسية الفرنسية.بالإضافة إلى حالة التقاطع البارز حول قضايا ومفاهيم ، من نوع القرصنة وتجارة الرقيق، حيث السعي الصادر من قبل الأطراف الأوربية نحو إلغائها، وموقف دايات الجزائر من عمليات الجهاد البحري بوجه أطماع القوى الأجنبية.وكانت العلاقات عرضة للتوتر خصوصا مع رعايا بريطانيا وإسبانيا الذين كانت لهم الكثير من المصالح التجارية في البلاد. توجهت فرنسا نحو استغلال حادثة المروحة التي حركها الداي بوجه القنصل الفرنسي بعد سؤاله عن تأخر رد وزارة الخارجية على رسالته.لتقوم فرنسا باستغلال هذا الحادث من خلال القيام بحصار بحري على السواحل الجزائرية بدأ من مايو 1827.ومنذ هذا التاريخ راحت المداولات تتفاعل في أروقة ودهاليز الحكم الفرنسي، حيث التفكير الجاد بالنفقات الحربية والمواجهة مع الجزائريين الذي خبروا مواجهتهم في البحر، ومسألة الاكتفاء بغزو السواحل أم الدخول في العمق، فيما بقي موقف البرلمان الفرنسي يعارض مسألة الحرب بما تمثله من نفقات ، ومن هذا برزت فكرة الاستعانة بمحمد علي باشا عام 1829، وإغراءه للقيام بالغزو، مع ضمان فرنسا تقديم الدعم له، إلا أن محمد علي كان في تلك الحقبة يعيد بناء أسطوله الذي تعرض للتدمير في أعقاب معركة نافارينو.بالإضافة إلى الرفض الصارم الذي تبدى من لدن بريطانيا والدولة العثمانية. في يونيو 1830 حسمت الحكومة الفرنسية قرارها بغزو الجزائر، ليتم إنزال خمسة وثلاثين ألف جندي على السواحل، لتبدأ المقاومة الجزائرية الشديدة والعنيفة بقيادة الداي، ومنت هذا لم يتمكن الفرنسيون من مد نفوذهم إلا في بعض المناطق الساحلية، حيث برزت الزعامات والقيادات التي راحت تقاوم الوجود الأجنبي من خلال الاستناد إلى الحمية الدينية، وتشديد الارتباط بالدولة العثمانية ، فكان أن برز الأمير عبد القادر الجزائري في الجانب الغربي، وأحمد باي في الجانب الشرقي في مدينة قسنطينة، وقد قيض للمقاومة من توجيه أشد الضربات للوجود الفرنسي حتى العام 1839. لكن الجانب الفرنسي لم يفوت فرصة حالة التوزيع للجهود، حتى أنهم بادروا نحو عقد صلح مع الأمير عبد القادر، في سبيل التفرغ لمواجهة قوات أحمد باي. ما تبدى من قوة وحضور بارز للأمير عبد القادر ، جعل من الفرنسيين يتوجهون بكل حذر للتعامل معه، حتى أنهم وقعوا اتفاقية عام 1834، والتي اعترفوا فيها بنفوذ الأمير على المنطقة الغربية ، فيما شهد العام 1837 اعترافا بسلطة الأمير على مناطق الغرب والوسط الجزائري بوصفه زعيما إسلاميا. ولم يطل الأمر حتى برزت للعيان السياسة الاستيطانية التي نهجها الفرنسيون، خلال الفترة 1840-1847 حيث توجه الجنرال بيجو نحو ممارسة القمع المباشر واستخدام أساليب البطش والقوة الشديدة ، من إحراق حقول وقرى بأكملها وتنكيل بالثوار ومصادرة الأراضي وتوزيعها على المستوطنين الفرنسيين ، الذين راحوا يفدون إلى البلاد بأعداد متزايدة.وما أن حل العام 1843 حتى اضطر الأمير للجوء إلى مراكش، لكن المطاردة القاسية والتنكيل والتهديد بمراكش ، جعل الأمير يعود لمواصلة النضال حتى استسلامه عام 1847. بانتهاء المقاومة المسلحة المنظمة ، تمكنت فرنسا من فرض سيطرتها على معظم البلاد ، إلا أن قبائل البربر رفضت الاعتراف بالنفوذ الفرنسي ، حتى كانت الحملة التي عملت على استكمال السيطرة على الجزائر والتي تمت في العام 1857. لكن هذه السيطرة لم تكن لتغيب دور الشعب الجزائري عن المواجهة ، فبعد هزيمة فرنسا على يد ألمانيا عام 1871، قامت ثورة الشيخ محمد المقراني ومساعده محمد الحداد في الجهات الشرقية ، عندما رفض الجزائريون التجنيد في الجيش الفرنسي والمشاركة في حروبها الخارجية. الحماية الفرنسية على تونس عاشت أوربا مخاضا من التحولات السياسية الكبيرة ، إذ قامت الوحدة الإيطالية في العام 1870، أعقبه في العام التالي قيام الوحدة الألمانية في العام 1871، وبطريقة لا تخلو من إذلال فاضح لفرنسا ، إذ تم الإعلان في قاعة المرايا في عقر قصر فرساي، بعد الانتصار الكبير الذي تحقق للأمان بقيادة بسمارك. ومن هذا الواقع راحت إيطاليا تسعة نحو السيطرة على تونس من خلال توسيع امتيازاتها ونفوذها ، لكن الصراع مع النمسا، وتوجهات بسمارك الحاثة لفرنسا على التطلع نحو القترة الأفريقية ، جعل من الإيطاليين يتراجعون لصالح النفوذ الفرنسي، حيث قامت القوات الفرنسية بالدخول إلى الأراضي التونسية في أبريل 1881، ومحاصرة قصر الباي، حيث تم توقيع معاهدة باردو ، والتي قيض فيها لفرنسا من فرض الحماية والسيطرة على الشؤون الخارجية والمالية لتونسن بل أنها عمدت إلى تعيين وزير فرنسي مقيم، كان له القول الفصل في المجمل من القرارات والتوجهات الحاكمة للبلاد.ومن واقع المعارضة الإيطالية العثمانية ، لهذا العمل ، بل والمعارضة البرلمانية الفرنسية التي تنادت بضرورة الوعي بالنفقات، فإن الحكومة الفرنسية عمدت إلى الإدعاء بنظام الحماية ، الذي بررته بأنه يقوم على مساعدة البلاد بوجه تدخل القوى الأجنبية ، وأن النفقات إنما تقوم بها البلاد المحمية، باعتبار التطلع نحو تقديم المساعدات في الإصلاح والنهوض. كان لموقف الباي الضعيف، وقيام الثورة في هران وتصاعد الحماس والرفض الجماهيري في طرابلس الغرب، أثره في قيام ثورة في عموم البلاد،حيث وجه الاتهام نحو الباي محمد الصادق بالتخاذل والجبن،بل أن الباي علي الذي جاء في أعقاب وفاة أخيه لم يقل وهنا وضعفا، ليستغل الفرنسيون الأوضاع في ربط البلاد بمعاهدة المرسى في يونيو 1883، والتي أشارت إلى تركيز مضمون الحماية والتمسك بالسيطرة على شؤون الأمن والسياسة الخارجية.ومن واقع التمايز الهائل في القوة ، توجهت النخب التونسية نحو أسلوب النضال السياسي والذي تبدى في بروز حزب تونس الفتاة الذي برز للعمل منذ العام 1905،حيث السعي نحو تحقيق شعار وحدة المغرب العربي، بوصفه الطريق للخلاص من التبعية وتحقيق الاستقلال، بزعامة علي باش جمعة وعبد العزيز الثعالبي.حيث نالا المزيد من التنكيل والنفي والقمع على يد القوات الفرنسية. مراكش مثل الوضع السياسي في مراكش حالة من التداخل والتعقيد ، فهي وعلى الرغم من الاستقلال الذي تمتعت به ،إلا أن هذا الوضع كان يشير إلى قوة حضور الامتيازات الأجنبية فيها ، من هذا فإن مفهوم الاستقلال يتخذ بعدا آخر ، هذا بحساب أن الإرادة و القدرة على اتخاذ القرار السياسي كان رهنا بمدى العلاقة القائمة مع القوى الدولية التي راحت تفرض بإرادتها على الحكومة المراكشية التي سارعت ، إلى تنفيذ رغبات فرنسا بالانسحاب من تلمسان عام 1832 التي كانت تخضع لسلطة العلويين، في أعقاب غزو فرنسا للجزائر، بل أن الهزيمة التي تعرض لها جيش السلطان عبد الرحمن عام 1844، جعلت منه يوافق وبالجملة على الشروط الفرنسية ، والتي أشارت إلى أهمية تخطيط الحدود مع الجزائر ، والعمل على طرد الأمير عبد القادر الجزائري، بل ومنح فرنسا امتيازات وسيطرة على النشاط التجاري في مراكش. بقيت فرنسا تراقب طبيعة التحالفات الدولية،وعليه سارعت نحو تقاسم النفوذ مع الجانب الإيطالي، عبر اتفاق عام 1902، والذي أيد فيه الفرنسيون النفوذ الإيطالي في ليبيا ،مقابل السيطرة على مراكش.فيما تم تقاسم النفوذ بين بريطانيا وفرنسا عام 1904 حول سيطرة بريطانيا على مصر مقابل السماح لفرنسا بالسيطرة على مراكش، ولم يطل الوقت حتى انضمت إسبانيا لهذا التحالف لتحظى بالجانب الشمالي الغربي من مراكش. شهدت مدين الجزية في إسبانيا عقد مؤتمر دولي عام 1906 لمناقشة القضية المراكشية ، حيث حرص السلطان عبد العزيز على دعم الإمبراطور الألماني، لكن المصالح الدولية بقيت تلعب دورها الكبير في توجيه القرارات ، فعلى الرغم من إقرار استقلال مراكش إلا أن القوى الكبرى وافقت على تمكين فرنسا من الحصول على مكانة وامتيازات خاصة لها في مراكش.ومن هذا راح الفرنسيون يسعون إلى تحريض الأمير عبد الحفيظ الذي ثار على أخيه ليصل إلى منصب السلطان عام 1908.وكان عبد الحفيظ قد ربط مقدرات البلاد بفرنسا ، حتى أنه لم يتردد من طلب العون الفرنسي لإخماد ثورة القبائل عليه عام 1911، لتبقى القوات الفرنسية مرابطة في البلاد، حتى إعلان الحماية الفرنسية الذي تم في مارس 1912.أما منطقة الريف الخاضعة للنفوذ الإسباني، فقد بقي ارتباطها بمراكش يقوم على تعيين منصب الوالي ، الذي يتم ترشيحه من قبل الأسبان. الاحتلال الإيطالي لليبيا تم إعلان الوحدة الإيطالية في العام 1870، وفي الوقت الذي كان من المنتظر أن يكون لهذه الوحدة أثرا في بروز حالة من القوة والتنامي للبلاد،إلا أن الوقائع عكست غير الصورة المأمولة والمرجوة.فقد تفاقمت الأوضاع حتى عمت البطالة وانتشر الفقر، حتى لم يجد السياسيون بديلا للخروج من الأزمة الخانقة سوى التفكير بالبحث عن الحل الخارجي، لا سيما وأنهم كانوا يرقبون حالة التنافس المستعر بين القوى الأوربية للسيطرة على الأراضي والمقاطعات ، ومن هذا ترصد الساسة الإيطاليون تونس، التي وجدوا في موقعها القريب منهم والعلاقات القديمة معها، بمثابة الوسيلة نحو توسيع الاستثمار والتمهيد للسيطرة على المزيد من المقاطعات.لكن الاحتلال الفرنسي لتونس عام 1881 عطل هذا المشروع، والذي جعلهم يتوجهون نحو مناطق شرق أفريقيا، حيث توجهوا نحو السيطرة على أرتيريا، حيث حققوا فيها بعض النجاحات العسكرية، إلا أن الهزيمة التي تعرضوا لها في معركة عدوة ، جعل من الإيطاليين يوجهون نظرهم نحو السيطرة على ليبيا، والتي تم تنظيمها من خلال توقيع الاتفاقية مع الفرنسيين عام 1902، والتي أثمرت عن السماح لإيطاليا من تنظيم الجهود للسيطرة على ليبيا. ومن هذا راح الإيطاليون يسعون بكل ما أوتوا من قوة نحو ترسيخ وجودهم عبر القيام بإنشاء المدارس الخاصة وتفعيل دور الإرساليات التبشيرية وإنشاء العديد من فروع بنك دي روما، فيما راحت القنصلية الإيطالية تحث جهودها من أجل بث الدعاية لصالح الوجود الإيطالي وأهميته في ترقية البلاد ونهضتها. لم تقتصر جهود الحكومة الإيطالية على تنشيط دعايتها في ليبيا ، بل راحت توسع فكرة أهمية السيطرة عليها في الداخل الإيطالي، من خلال تقديمها على أنها الحل الأمثل الذي يمكن لإيطاليا للخروج من أزماتها الخانقة، عبر توفير الاستثمارات وفرص العمل والحصول على الأراضي الخصبة التي توفر الأرباح الواسعة للمستوطنين. والواقع أن الأطماع بلغت من العلنية، إلى الحد الذي توجه وجهاء ليبيا لطلب المعونة من رئيس الوزراء إبراهيم حقي باشا عام 1910، مطالبينه بإرسال العتاد والمؤونة ، إلا أن حقي باشا ضرب صفحا عن هذه المناشدات. ولم يوفر رجال السياسة الإيطاليين الوقت حتى راحوا يستثمرون موقف حكومة الاتحاد والترقي، مدعين أن العثمانيين باتوا يعملون ضد مصالح المقيمين الإيطاليين . ليعلن رئيس الحكومة جوليتي الحرب على الدولة العثمانية في سبتمبر 1911. تقدم الإيطاليون نحو الساحل الليبي، لينهض أهل ليبيا بأمر المقاومة الباسلة، فيما برز الموقف العثماني الضعيف، والذي سارع نحو توقيع معاهدة لوزان في أكتوبر 1912، والتي تم بموجبها منح ليبيا الاستقلال، الذي سهل الطريق للغزو الإيطالي، حتى كانت المساعدات التي راحت تصل من تونس ومصر،ومن واقع المقاومة التي بذلتها القبائل العربية، لم يتردد الإيطاليون عن ممارسة سياسة الأرض المحروقة، حيث أحرقت المزارع والقرى وتعرض المواطنون للتنكيل والظلم المفرط، لكن هذا الأسلوب لم يفت في عضد المقاومة، والتي برزت في الجانب الشرقي تحت زعامة محمد إدريس السنوسي ، والذي بلغ من التنظيم والقوة أن اضطر الإيطاليون إلى إقرار المزيد من اتفاقيات الهدنة خلال الفترة 1917-1921 ، معترفين بسيادة الأمير على إقليم برقة، لكنها سرعان ما قلبت ظهر المجن ليضطر الأمير للجوء إلى مصر ، ليبرز دور الشيخ عمر المختار في قيادة المقاومة حتى استشهاده ، إعداما عام 1931. برزت في طرابلس الغرب زعامة سليمان الباروني، الذي غدا على رأس الحكومة الوطنية في أعقاب إعلان استقلال ليبيا.فيما راحت جموع المتطوعين من بلاد العالم الإسلامي تصل طرابلس من أجل المشاركة في المقاومة ، حتى برز دور الضباط المصريين بشكل واضح.وقد تمكنت القوى الوطنية الليبية من استثمار الوضاع التي مرت بها إيطاليا خلال الحرب العالمية الأولى، ليتمكنوا من عقد اتفاقية بني آدم في أبريل 1919، والتي تم بموجبها الاعتراف بالجمهورية الطرابلسية التي تأسست في نوفمبر 1918، والتي تكونت من المجلس الرئاسي الذي ضم في عضويته؛ سليمان الباروني ورمضان السويحلي وأحمد المريض وعبد النبي بلخير، فيما كان عبد الرحمن عزام مستشارا للجمهورية.ومن واقع الخلافات التي دبت بين الزعماء، برز الاتجاه نحو الاعتراف بـ إدريس السنوسي زعيما في نوفمبر 1922، يسانده مجلس شورى مؤلف من اثنين وعشرين عضوا. إشارات وإحالات: 1.رأفت الشيخ، في تاريخ العرب الحديث، دار الثقافة، القاهرة 1983. 2.محمد أنيس، الدولة العثمانية والشرق العربي، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة 1993. 3.مالكولم ياب، نشوء الشرق الأدنى الحديث، ترجمة خالد الجبيلي، الأهالي للنشر ، دمشق 1998. 4.سيار الجميل، بقايا وجذور التكوين العربي الحديث، الأهلية ،عمان 1997. 5.جميل موسى النجار، الإدارة العثمانية في ولاية بغداد، مكتبة مدبولي، القاهرة 1991. 6.أحمد مرسي عباس ، العسكرية السعودية في مواجهة الدولة العثمانية، دار الزهراء، الرياض 1995. 7.علي أحمد فليفل، الدولة العثمانية والمسلمون في جنوب أفريقيا، مركز دراسات المستقبل الأفريقي، القاهرة 2000. 8.عبد الأمير الرفيعي، العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية، الفرات للنشر، بيروت 2002. 9.سليمان البستاني، عبرة وذكرى الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده، دار الطليعة ، بيروت 1978. 10.أحمد نوري النعيمي ، الحياة السياسية في الدولة العثمانية ، بغداد 1990. 11.أحمد توفيق المدني، حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وأسبانيا ، الجزائر 1976. 12 .إسماعيل نوري الربيعي، العرب والاستعمار، دائرة الثقافة الإعلام، الشارقة 2000. 13.ليفين، الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث في مصر والشام ، ترجمة بشير السباعي، دار شرقيات، القاهرة 1997. ehvj ptd/m hgsg’أثأ ildm lk’rm hgogd[ hguvfdأهمية الخليج العربيأأأأأأأأأأأأأااااب